“أسفار متقاطعة” بقلم : حليمة حريري.

0 471

على طريق مبلل بمطر لم يتوقف عن الهطول منذ ليلة فائتة، كانت تمشي بخطوات مجنونة مسرعة حتى تدرك آخر حافلة تخرج من المحطة نحو مدينة مراكش حيث الحلم الكاذب لحياة كاذبة وبيت تسكنه كغريبة أيام العطل تشتم بسرها القوانين والمساطر المعقدة التي أجبرتها على العمل في مدينة بعيدة عن بيتها بكيلومترات .
قطعت مسافة المحطة لترتمي وابنتها التي لم تتجاوز السنتين في حضن حافلة متهالكة لمحت مساعد السائق ينادي بأن يخرجوا تذاكرهم للمراقبة، كان يصيح بتدمر وقد فتك العياء به
_”تذاكر! …تذاكر!”
لم تعر كلامه اهتماما لأنها أخدت تذكرتها سلفا، لكنها عدلت الغطاء على صغيرتها لأن الريح المنبعثة من شقوق النوافذ كانت باردة جدا ورطبةوهي تتمتم :
_” ‏متى الخلاص يا الله اتعبني السفر…!”
بجوارها جلس أربعيني ليقاسمها الرحلة شرع في فك أزرار معطفه غير مبال بموجة البرد وكأنه يحمل جمرا بين طيات ملابسه، أخد يمرر كفه على لحيته ليجهز حديثا يقتل به ملل الطريق.
مرت نصف ساعة على مغادرة الحافلة مدينة البيضاء تلك المدينة الغول المنخور جسدها بألف حكاية وحكاية ، كانت تسرح بنظراتها بعيدا خلف ضباب النافذة وتحلم بدفء بيت وأطفال يلعبون بفنائه وزوج يحمل عنها عبء الأيام لتنام قريرة العين.
بدأ الليل ينشر بساطه الأسود وعمت الظلمة جنبات الحافلة، لم تغمض جفنيها مثل باقي الركاب الذين يغطون في نوم عميق به يكسرون ملل الطريق. ظلت يقظة تفكر في مصير فرضه قدر جائر، قدر جعلها تتنهد:
– ” كذب من قال إن الرجل سند المرأة في الحياة” .
كادت تختنق ببطء، بصمت استدارت إلى يمينها عندما سمعت رفيق الرحلة يقول بطريقة مرتجلة ليفتح الحديث معها:
-” هل أنت ذاهبة في عطلة؟ ”
أجابت بابتسامة باردة:
_” نعم ذاهبة في عطلة قصرية فرضتها مساطر وظيفة لا تراعي في التعيين الحالة العائلية للموظف”.
استرد متسائلا :
_:”كيف؟”
أجابت بهدوء متعب:
“منذ خمس سنوات وأنا انتظر الاستفادة من حقي في الحركة الانتقالية لكن دون جدوى، ولكي لا تستمر في الحديث عن حياتها الشخصية سألته:
_” وأنت؟!.”
-“ذاهب لأتمم إجراءات الطلاق”.
-“أوووف الطلاق أبغض الحلال!”.
_”ها أنت تقولين حلال والله شرع الطلاق لنرتاح عندما تستحيل الحياة بين اثنين”.
-“هذا أكيد! لكن بعد محاولة لإصلاح ما يمكن اصلاحه”.
-“حاولت لكن وصلنا الى طريق مسدود؛ البيت غائب من جدول أولوياتها أما أنا فوجودي وعدمي سيان”
-‏ “وأين العائلة من كل هذا ألم يتدخل أحد لإصلاح ذات بينكم؟”.
-‏”كانت هناك محاولات لكن باءت بالفشل بسبب تعنتها”.
-‏”لا حول ولاقوة الا بالله ،حاول أخي مرة وأخرى لأن المتضرر الوحيد هم الأبناء؛ لدى تريث قليلا ودع باب الصلح مواربا من أجلهم فنحن نغض الطرف عن أشياء تؤلمنا إكراما لهم ،ونترك حقنا.
في الحياة،و في السعادة كذلك إكراما لأبنائنا”.
-“يبدو من حديثك أنك حزينة أو تعانين في صمت”.
ردت بسرعة الخائف:
-‏ “لا أبدا، لكن موضوع الطلاق مؤلم وذو شجون”.
أشاحت بوجهها شطر النافذة وكأنها تخاف أن يعرى سرها بتلك التنهيدة الصاعدة من قلب مزقت نياطه .
شارفت الرحلة على النهاية والحافلة على مدخل المدينة الحمراء النائمة في عناق أبدي مع النخيل
-“هل أساعدك حتى تستقلي سيارة أجرة”.
-“لا!! لا ! شكرا زوجي سيكون بانتظاري”.
ترجلت من الحافلة وهي تداعب الصغيرة التي لفحها برد الشتاء فاستفاقت.
همست لها:
_ “استيقظي البابا بانتظارنا!”
عند باب محطة تعج بالمسافرين والمتسولين وآخرين مطموسة ملامحهم يتسكعون تحت أنفاس الليل ،يعانقون أعمدة الإنارة المرهقة ببواطن القلوب ، يمزقون الإسفلت في حركة دائبة لا تتوقف، انتظرت؛ لكنه لم يأت، فاضطرت أن توقف سيارة أجرة لتصل البيت ربما زوجها لديه مداومة .
أشارت للسائق بحركة نحو الاتجاه الذي تريد الذهاب اليه:
– “حي ايسيل! من فضلك!”.
-حاضر ألالة بنت مولاي!”
أجابت بسخرية:
_”لالة بنت مولاي؟ من زمن بعيد وارينا النخوة والشهامة التراب آسيدي وقرأنا على روحها السلام”
ابتسم بطيبة ودود:
-” لكل وقت أذان ابنتي ولنا في الأمل ظن، لا يخيب “.
وصلت الي البيت،
فتحت الباب ففوجئت بزوجها خلفه يحمل حقيبة سفر…

قد يعجبك ايضا

اترك رد