” البريء الجاني! “.

0 319

بقلم : هشام الدكاني

لكي تبحث عن حقيقة ، عليك أن ترى بعقلك وضميرك ، وليس بحدسك وتخمينك.. فالجميع يتقارب في الحركات والإيماءات ، وبالقطع لن تستطيع التوصل إليها إلا بناءا على أسباب منطقية وأفكار عقلانية ودلائل مادية ، وإلا ستضع كل من حولك في دائرة الاتهام.
فما أصعب أن تضع إنسانا داخل دائرة الشك ، وكأنه مراقب لابد من محاسبته على كل إيماءة تصدر عنه
حتى لو كانت بحسن نية!
وللأسف الشديد ، لا يستطيع من تشكك فيه أن يحاسبك أو يعاقبك ، فأنت بمنأى عن العقاب ، رغم أنك في حقيقة الأمر تستحق أكبر عقاب ، لأنك وضعته في مكانة وضيعة من نفسك ، وربما تحدثت بما لا يليق عنه وليس فيه ، لتصبح أكبر مسيء إليه إذا.. فما أفظع أن تسرق براءة الآخرين!!!
ترى هل لو ركزنا قليلا ، سندرك كم مرة وضعنا الآخرين في موضع الشك ، وثبت لنا براءتهم فيما بعد؟
للأسف الشديد ، دائما ماتخدعنا أفكارنا وتهيئ لنا كل حواسنا أنهم مذنبون ، في حين أنهم في واقع الأمر كانوا يتحركون ويتحدثون ويتصرفون وفقا لما تمليه علينا عقولنا ، فهذا أشبه بالهلاوس السمعية والبصرية.. ولكنه من نوع آخر ، إنها العلاقة المرتبطة بترجمة كل شيء وفقا لأهوائنا ، فكل تصرف أو إيماءة تؤول وتترجم لما نستنتجه ونؤمن به ، والغريب أن تلك الأحاسيس لا تسيء إلى الآخرين فحسب ، ولكنها تعود على أصحابها كذلك بالسلب.
فغالبا ما ترى العين ما تريد أن يرسله لها العقل ، والعقل لا يترجم إلا ما يمليه عليه القلب ، والقلب لا ينأى بنفسه في كثير من الأحوال أن يكون فريسة سهلة للأوهام والخيالات… فالواقع أثبت أن ما يخزنه العقل الباطن أحيانا كثيرة هو الذي يمنح إشاراته وإيماءاته لبقية أعضاء الجسم ، وعليه ترى العين بناءا على ذلك المخزون ، وتسمع الأذن بتعليمات من العقل الباطن ، وينطق اللسان وفقا لما يمليه عليه الإحساس الداخلي ، ويتحرك الجسد بناءا على إشارات يرسمها ويجسدها ما في اليقين.. وهكذا يستلهم الإنسان أفكاره وقناعاته وقراراته من مخزون نفسي في عقله الباطن ، ثم يخضع للتأويل إما للإيجاب أو للسلب.
لذا وجب علينا ألا نتورع عن الإعتراف بأننا جناة عندما نتهم الأبرياء بما ليس فيهم ، لمجرد إرضاء قناعاتنا الوهمية…
فالجاني ليس فقط هو مرتكب الفعل المادي ، ولكنه كذلك من يتهم غيره بغير دليل ، ويضعه في موضع المساءلة ولو بينه وبين نفسه ، ومن يستسلم لأفكاره السلبية حتى تسرق منه راحته وسكينته وطمأنينته.
فهو يسرق براءة الغير ، ويسرق معها راحة باله وقلبه ، وعليه يصبح البريء «جاني».

قد يعجبك ايضا

اترك رد