الجائحة الوبائية تفضح جائحتنا الثقافية ذ. محمد بادرة

0 112

1- الثقافة ليست مجموعة جاهزة من الافكار والمعارف او التقنيات او العادات او المشاعر، كما انها ليست مجالات فكرية للنشاطات الانسانية والانتاجات المجتمعية بل هي نسق كلي معقد متداخل الاجزاء والوظائف (تقوم على مجموعة مترابطة من المعتقدات والايديولوجيات والمعارف والخبرات والآداب والفنون والقوانين والاعراف والنظم والتنظيمات…في مجتمع معين)، ان لها دور اساسي في تحديد سلوكيات الافراد لأنها هي من تحدد انماط وقنوات للسلوك والتفاعلات وتسير بالأفراد نحو نماذج من الاتجاهات والتوجهات، وهي بذلك تكون سلسلة من العلاقات الاجتماعية المؤطرة بمنظومة قيم ومعتقدات واعراف، مما يبين ان الثقافة في مختلف ميادينها انما تنبع من حاجة لحل الصراعات والتناقضات التي هي في جوهر البناء الاجتماعي، كالتناقض الاجتماعي والطبقي بين فئات المجتمع او التناقض والخلاف حول اصول الحكم وعلاقة الحاكم بالمحكوم، او التباين الصارخ في مستويات العيش وانماط الحياة في وجود تمايز كبير في انماط المأكل والملبس ووسيلة النقل وانماط التسلية بين الفقراء والاغنياء…عندئذ تتدخل الثقافة بمفهومها العام لتوجه سلوك الجماعات والافراد من خلال اكسابهم طرقا للتفكير والتصرف والتفاعل بل تشكلهم عقليا ونفسيا وروحيا وحتى جسميا … كما تشكلهم على صعيد الذوق والنظر والرؤية الى الذات والحياة والوجود مستعينة

بوسائط مجتمعية من مؤسسات عائلية و قرابية وتربوية وتعليمية ودينية وسياسية واعلامية …

2- الثقافة بالمفهوم العام والشامل هي عملية اجتماعية تاريخية مستمرة وعملية انتاج وتشكيل وحدة الجماعة واستمرارها في الوعي…الوعي بالتاريخ وبالطموحات والتحديات وبالمصير السياسي والاجتماعي والحضاري، و الثقافة هي التي تعطي الفرد الشرط اللازم لهذا الوعي.

3- الثقافة تكون ضرورية وفاعلة لكونها تقوم على مبدا التفاعل بين الانسان وبيئته، وبين المجتمع ومحيطه الموضوعي وهي معرفة وخبرة ونظام وذوق وسلوك مجتمعي ايجابي فيه تهذيب مستمر ومحاولة ارادية جمعية دؤوبة للوصول الى النضج الانساني والكمال المجتمعي، ويحتاجها المتعلم وغير المتعلم /العالم والمتعالم /الباحث والقارئ…

مثلا (ان الفضيلة الاخلاقية للطبيب تتشكل حقيقة وتعلن عن نفسها الى جانب سرير المريض وليس في مختبر الأبحاث، ومن خلال مريض بعد اخر اذا ما تمكن الطبيب من إظهار قدراته الشكسبيرية على التحمل فهو ينخرط في قصص انسانية معينة، هذه الامور ليست في مادة العلم لأنها من الادب والشعر والثقافة، وتتكشف لنا في هذه المهنة دراما الحياة الانسانية والتي هي احدى امتيازات مزاولة مهنة الطب ) فيليب اوفراي ان غاية الطب- في نظر اوفراي- ليس فقط الانتصار على المرض فالطبابة الجيدة تشمل المعاناة الروحية والاخلاقية للمرضى والكفاء العلمية ضرورية لكن وظيفة الطبيب لا تتوقف عند هذا الحد اذ لابد من ثقافة مجتمعية متكاملة.

اذن كيف تنظر حكوماتنا الى الثقافة والى المثقف ؟ وما هي سياساتها واستراتيجياتها في هذا النطاق ؟ هل الثقافة هي معطى ثابت تفرض على كل فرد التكيف معها و الاستسلام لتأثيراتها؟ هل الثقافة ترف وتسلية ومتعة لفئة محدودة من الناس من علية القوم ام هي مشروع حضاري يتطلع الى ارساء قواعد امة موحدة عقائديا وفكريا ونفسيا؟

ان الكثير من الحكومات ومن الدول لا تزال تخاف من الثقافة كألية لتحرير الانسان وتطوير امكانياته الذاتية فتكتفي بالدعاية والترويج لبضاعات “ثقافية” فولكلورية بغرض الدعاية السياسية او الترويج السياحي، او تقوم بدعم ثقافة “المناسبات” و” المهرجانات ” فتتحول الثقافة الى بهرجة وضجيج او بضاعة تجارية جاهزة للاستهلاك الخفيف كاستهلاك ” الهامبرغر”، كما ان دولا وحكومات تختصر الثقافة في رعاية الفنون الجديدة و الآداب الجميلة التي تمس اضيق فئة من السكان – الرسم- التشكيل – الرقص- عرض الازياء…. – وهذه الرعاية ليست بريئة انما تشتد بقدر ما تريد الدولة ان تستعملها كوسائل دعاية للسلطة القائمة ودون ان تعمل على تخفيف البؤس الروحي لأغلبية

المجتمع الذي يعيش خارج دائرة هذه الثقافة والذي قد يتحول الى جماعات لا شخصية لها ولا ابعاد ولا افاق ولا امال.

ان حكوماتنا لا تقدم مشاريع وبرامج ثقافية جادة ولا تسعى لصيانة الموروث الثقافي الوطني الا ما كان محنطا او “فولكلورا” كما رسمه الكولونيا ليون حتى يخدم مصالحه وخدامه ويخدم الترويج السياحي ويدر على الشركات والمؤسسات الخاصة موارد مالية، اما المبدع فمطلوب منه ان “يتجند” لخدمة هذه الشركات والمؤسسات.

حكوماتنا ترى ان الحاجة الثقافية هي حاجة غير ملحة وغير اساسية يمكن تأجيلها او ابعادها دون ان يؤثر ذلك على الوضع الاجتماعي للفرد او يقضي على وجوده، وان الثقافة في نظرها حاجة تكميلية طالما ان الحاجات الضرورية فيزيائيا واجتماعيا هي الاساس في الحياة ..

مثل هذه التصورات والآراء لا تحس بحاجة الافراد الى تقوية الوازع الثقافي والحضاري والروحي لدرجة ان منظومة القيم كنظام مرجعي لم تعد فعالة في التأثير على سلوك الاجيال الحالية بل وفقدت فعاليتها اكثر مع الزمن ثم دخلت عليها منظومة قيم جديدة مستوردة ومعاصرة تحاول ان تخترق المجتمع لتتحكم في مقاليده وتسيطر على بنيانه ومؤسساته التربوية والمجتمعية. هذه المنظومة الجديدة حولت الثقافة كسوق للممتلكات الرمزية الى بورصة للتداول التجاري لتخدم سياسة خاصة قائمة على التهريج والترفيه الزائف الزائل يفرغ فيها الجائع والغاضب والحائر شحنات توتره باسم الحداثة والمعاصرة (مهرجانات الغناء والرقص التي تصرف عليها مئات الملايين من الدراهم دون ان تغرس قيما للجمال) بل تؤدي الى ثلوث قيمي وجمالي.

ما يجري في المشهد الثقافي الوطني اليوم هو محاولات منظمة لتهجين او اختراق ثقافي قصد السيطرة على ( الادراك لاختطافه وتوجيهه وبالتالي سلب الوعي والهيمنة على الهوية الجماعية، وبالسيطرة على الوعي يتم اخضاع النفوس وتعطيل فاعلية العقل والتشويش على نظام القيم وتنميط الذوق وقولبة السلوك. ) محمد عابد الجابري

ان التدمير المنهجي المستمر للقيم الاجتماعية والوحدات الاجتماعية الراسخة الفاعلة تاريخيا في مجتمعنا ( المدرسة – الاسرة- القبيلة -المسجد … ) دمرت كل ما هو اجتماعي وجمعي وكلي من مخزون المجتمع من القيم الاصيلة المشتركة فتنحسر قيم الثقافة المجتمعية المتكاملة مفسحة المجال للقيم الفردية والمصلحية والمنفعية.

ان سياسة ثقافة ” الواجهة ” ادت الى تخلف الذهنية وتسطيحها واعاقت تطور المنظومة التربوية ومنظومة القيم الاجتماعية كما اعاقت حدوث ثورة في الذهن والذات والمحيط لأنها ظلت تؤثر فقط على القشرة الخارجية للذهن والتي تنهار عند كل ازمة فتعود

الشخصية الى نظرتها المتخلفة ( ان العلم لا يشكل بالنسبة للعقل المتخلف اكثر من قشرة خارجية رقيقة يمكن ان تتساقط اذا تعرض هذا العقل للاهتزاز، كما ان العلم ما زال في ممارسة الكثيرين لا يعدو ان يكون قميصا او معطفا يلبسه حين يقرا كتابا او يدخل مختبرا او يلقي محاضرة ويخلعه في سائر الاوقات. )

هناك العديد من الصور والحالات والاوضاع والظواهر التي تسيئ لمجتمعنا وثقافتنا ولا تساعد على تطور وعينا الثقافي ولا تساهم في تقدمنا العلمي وظهرت ملامح هذه الصور السلبية بقوة في زمن الجائحة:

– الجائحة الوبائية اظهرت هشاشة نظامنا التعليمي الذي لا هو قريب من التلميذ ولا هو بعيد عن التدبير التربوي التقليدي المركزي الفاشل، فنظامنا التعليمي يدرب الناس على الحصول على المعارف الجاهزة القائمة على عمليات التلقين شحنا وافراغا، ومدارسنا ليست في الحقيقة الا المصانع التي تنتج فيها تلك المعلومات المعلبة.

– الجائحة الوبائية اظهرت ان لغتنا الام او لغتينا الوطنيتين (الامازيغية والعربية) مبتعدتين عن العلوم الحقة مما جعلهما تحتفيان بالصيغ الانفعالية والوجدانية ذات الطابع الخطابي الذي يهيج المشاعر ولكنه يعجز عن فهم الواقع والسيطرة عليه. فالتعامل مثلا مع الوباء يتم بأسلوب الاستهزاء والاستعلاء و الاستخفاف و اللامبالاة لا بأسلوب الفهم العلمي الصحيح.

– الجائحة الوبائية اظهرت ان الوعي بالهوية الثقافية كوعي جمعي تعرض للاختراق باسم العولمة الثقافية بعد ان عملت شبكات الانترنيت على ازالة الحدود الثقافية عبر مختلف دول العالم عن طريق اتاحة اتصال سهل وسريع بين الافراد في اي مكان وعن طريق مختلف اجهزة الاعلام والوسائل الرقمية، وترتبط شبكات الانترنيت بالعولمة الثقافية لأنها تتيح التواصل بين الافراد من مختلف الثقافات … فاذا كانت اليوجا ديانة هندية فإنها اصبحت اليوم لدينا اسلوبا للتأمل وطريقة حديثة للمحافظة على الرشاقة البدنية، والوشم على الجسد كشكل للرموز الصينية وغير الصينية ساهمت العولة على انتشاره في صفوف شبابنا ولاعبينا و فنانينا حتى اصبح تقليعة شائعة بين جيل شباب اليوم، بل اصبح سلوكا معتادا ومتعارفا بينهم.

ولمراجعة هذه السياسة الثقافية والعلمية الراهنة يتطلب منا الوضع الحالي مراجعة الاهداف والوسائل والاختيار بين الاولوية في تكوين المواطن وليس في تكوين نخب تكنوقراطية او بيروقراطية.

الاولوية هي في تحرير المواطن من كل ايديولوجية قاهرة تشل الذهن والفكر ولا تحمل فكرة التغيير ولا تحلم بالتغيير في الفكر والانتاج والابداع.

الاولوية هي في محاربة ثقافة الفولكلور – بالمفهوم الكولونيا لي- وثقافة التجهيل والتسطيح والتي كانت سببا في تخلف الذهنية الجماعية وكانت سببا في اعاقة حرية الحركة السلوكية وحرية الموقف من الحياة و سببا في استمرار الذهنية اللاعلمية والرؤية المتخلفة للوجود وهي ذهنية متصلبة محدودة الافق يعاني منها المتعلم وغير المتعلم معا.

الاولوية هي لمبدا حرية التعبير قبل مضمون هذا التعبير ولمبدا تعميم المعرفة قبل مبدا الكسب السياسي السريع على الصعيد الثقافي وهذا يعني ان تكون الاولوية لتوحيد الشعب سياسيا ومذهبيا.

فهل سيسمح لنا هذا الزمن الجائحي لتطوير قدراتنا الثقافية وتعزيز ثقتنا وارادتنا في سبيل تحقيق ثقافة وطنية/عالمية تخلصنا من العيش خارج دائرة العلم والعالم وتؤهلنا للسير في مسار العالم ومعه.

فلنستفيد من هذا الزمن الموبوء للخروج من الجائحة الوبائية والجائحة الثقافية.

الأستاذ محمد بادرة -الدشيرة الجهادية

قد يعجبك ايضا

اترك رد