الصوتُ بعد الموت.

0 228

بقلم محمد خلوقي.

من مات ولَّى وراح ، ومن حملُه الى القبر ناح وصاح
فباح ثم استراح..
هكذا هو مشهد المَدفون والدَّافن ، الميِّت والحيِّ .
فبعد الفقْد و الممات ، تَحْيى الآهات ، وتترجمها الكلمات .
ويصير الموت قوة ًعجيبة ، ووسيلة فريدة في تفجير سيلٍ من الاحاسيس ، والآراء والمواقف التي طالما بدت نائمة وهامدة تجاه من فقدناهم ، الموت في شُغل دائم ، يصول بلا كَف ٍّ، ويسعى بلا رِجْل ، وفي لحظة خاطفة ، ينتزع منا شخصا قريبا أو بعيدا ،ومباشرة لا يتجرَّأ أحد على إرسال حديث التشَّفي، بل تتفجرُ من عيونه دموع الخوف والخشوع .
الموت وحده يصبح هو القادر على توحيد خطاب المدح والثناء أثناء العَزاء ، فلا تسمع عن الفقيد الا كلمات وعبارات من المدح الشديد ، بل منهم من يُلبسه حُلَّة الشهيد ، وآخر ينعثه بصاحب القول السديد ، أو الأصل التليد ..
الموت وحده الذي يجعل الناس يصمتون عن كل تجريح او تلميح ، ولا يذكرون من الفقيد العربيد، سوى حسناته ، بعدما كانوا قد أحرقوه حيّا ، بألسنتهم ، ونظراتهم حين كان يتثاقل الخُطى بين أزقة حيِّهم .
الموت هو الوحيد الذي يُلجم الأفواه عن كل تصريح قبيح ، فذاك السَّارق المُفارق ، بعدما كانوا يمقتونه في حياته ، اليوم َأمام قبره ووراء ظهره ، تجدهم يهمهمون بعبارات الحزن والتأسف من جراء فقده .
ما سر هذه القوة العحيبة للموت ؟؟!!،
إنها قوة ساحرة، تمسح الأحقاد والاضغان من القلوب ، إنها قوة نافذة تشْطب المواقف السلبية والخصومات والعيوب.
ففي حضرة الموت تخرس كل الإساءات ، وتتوارى كل الاشاعات ، وتتزاحم العبارات الجميلات ، وتتعالى الدعوات بالمغفرة والرحمات..
الموت هو الساحر الوحيد الذي يخرج يده البيضاء الجميلة، ويمسح الماضي السيّء ، ويُبقي كلّ جميل، ثم يرشّ رشّة بهاء ورهبة، لتبدو سيرة ذلك الإنسان كيف ما كان: (سلطانا او بهلوانا او قهرمانا او شرلمان او حتى حديدان )…
بحيث يصبح في لحظات قصيرات أسطورة ًمن أساطير البطولة ، والنخوة ، والفحولة التي ما تكرر لها نظير في أي وقت من سالف الازمان .
مع الموت يتبدَّل كل صوت ،
ومع الفقد يتقوقَع الحقد .
ويعلو صوت التراحم و التسامح.
إنها رسالة الموت الى الاحياء، قبل ان يصيروا في عداد الاموات .

قد يعجبك ايضا

اترك رد