“المدينة المحرمة”.. معلم تاريخي يجسد عراقة الحضارة الصينية

0 91

 في قلب مدينة بكين، العاصمة الصينية، التي شهدت نهضة شاملة خلال العقود الآخيرة، بمبانيها وأبراجها الشاهقة وشبكة بنياتها التحتية العصرية، تنتصب ” المدينة المحرمة” شامخة، وهي تخلد الذكرى الـ 600 لتشييدها، كملعم تاريخي وتراثي بارز يجسد عراقة وأصالة الحضارة الصينية الآسيوية.

الزائر لـ”المدينة المحرمة” أو القصر الامبراطوري، يجد نفسه في سفر حقيقي في حقبة ساطعة من تاريخ سلالات أباطرة الصين الذين تعاقبوا على حكم امبراطورية ممتدة الأطراف انطلاقا من قاعات القصر الامبراطوري الذي لا يزال يحافظ على طرازه المعماري التقليدي وطابعه الزخرفي الفريد.

كما يكتشف زوار هذا المعلم التاريخي، الذي صنفته منظمة “اليونسكو” عام 1987 ضمن التراث الثقافي العالمي، كيف أولى أباطرة الصين اهتماما بالغا بالفنون والثقافة والحرف اليدوية وفن العمارة التقليدية التي برع فيها الصينيون القدامى من خلال المخطوطات التاريخية والمنحوتات واللوحات الفنية والتحف الأثرية والخزفية، وكيف حافظت الأجيال السالفة على مر هذه العقود على هذا التراث الحضاري الآسيوي العريق وفتحته في وجه الباحثين والزوار من مختلف بلدان العالم كتراث انساني عالمي.

وفي هذا الصدد، أبرزت يو ماي، الأستاذة بكلية الدراسات العربية التابعة لجامعة الدراسات الأجنبية ببكين، أن “المدينة المحرمة” كانت مقرا لأباطرة أسرة مينغ (1368 – 1644 )، وبعدها أسرة تشينغ ( 1616- 1911)، حيث حكم فيها نحو 24 امبراطورا صينيا لفترة 500 عام، مضيفة أن تشييدها استغرق حسب السجلات التاريخية، نحو 14 سنة ( 1406- 1420م)، وعلى مساحة تزيد عن 720 ألف متر مربع، مع أكثر من 800 مبنى وحوالي 8700 غرفة، وهي أكبر مجموعة من القصور القديمة المحفوظة في الصين.

وبخصوص تسميتها التي تثير الفضول، أشارت الأستاذة المهتمة بالحضارة الصينية، في تصريح لوكالة المغرب العربي للانباء، أنها سميت ب”المدينة المحرمة” لأنها كانت مُحرمة على عامة الناس لفترات طويلة من الزمن فسميت بذلك، ولأهميتها التاريخية، اعتبرها مجلس الدولة الصيني في عام 1961 تراثا محميا على مستوى الدولة.

وذكرت أنه في عام 1925 تم تأسيس “متحف القصر الإمبراطوري ” بالمدينة، وبعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، ظلت الحكومة الصينية تولى الاهتمام المتزايد للمتحف، حيث ترصد كل سنة مبلغا خاصا لإصلاحه وإعادة ترميمه، مبرزة أن المتحف تعرض فيه عشرات الآلاف من القطع الاثرية والتحف الفنية النادرة، فأصبح من أروع المتاحف التاريخية فى الصين والعالم، ويستقبل آلاف الزوار يوميا من جميع أنحاء العالم.

وقالت يو ماي، التي زارت عدد من البلدان العربية في إطار التبادلات الثقافية والأكاديمية، إنه تراكمت لدى “المدينة المحرمة” حكايات ثقافية وحكمة عميقة للحياة، فهي صورة مصغرة لحقبة تاريخية مهمة، وبلورة للتقاليد الثقافية الصينية، وشهادة وحاملة للحضارة الصينية القديمة، وقد أصبحت رمزا ثقافيا ذا معاني متعددة بين جماهير الشعب الصيني.

وأضافت أنه في الوقت نفسه، تستقبل حوالي 3 ملايين زائر من الخارج كل عام، فتظهر سحر الثقافة الصينية للعالم بانفتاحها وتسامحها، وتلعب دورا فريدا وهاما في التبادلات الثقافية الصينية والأجنبية.

من جهته، أبرز وو فو قوي، الباحث في معهد العلوم التقليدية الصينية للثقافية الدولية، أن “المدينة المحرمة” تعتبر رمزا للثقافة الوطنية الصينية و”لؤلؤة مشرقة” في التراث الثقافي في العالم، مضيفا أنها أصبحت “رمزا صينيا” معترفا به عالميا، وحاملة مهمة للتراث الثقافي للأمة الصينية،

وأشار وو فو، عضو رابطة الكتاب الصينيين، في تصريح للوكالة، إلى أن متحف القصر يعد أحد المتاحف القليلة في العالم التي تتميز بخصائص متحف الفن والعمارة ومتحف التاريخ و ثقافة القصر وما إلى ذلك، لافتا أنه في السنوات الـ 600 الماضية، قامت سلالات مينغ وتشينغ بالعديد من عمليات إعادة البناء والتوسعة للمباني القديمة في المدينة المحرمة.

وأبرز أنه قد تم إدراج مهارات تشييد المباني القديمة على الطراز الرسمي التي شكلتها سلالات مينغ وتشينغ في قائمة التراث الثقافي غير المادي الوطنية في عام 2008.

ويصادف هذا العام الذكرى السنوية الـ600 لتشييد “المدينة المحرمة”، الواقعة في الجهة المقابلة لميدان تيان آنمن الشهير، والذكرى الـ95 لتأسيس متحف القصر الامبراطوري أيضا.

وبهذه المناسبة أعلن وانغ شيوي دونغ ، أمين متحف القصر، أنه ستقام سلسلة من الندوات والمعارض والأنشطة للاحتفال بهذه الذكرى، ضمنها ندوات أكاديمية، وإنتاج سلسلة من الأعمال السينمائية والتلفزيونية التي تروج لثقافة متحف القصر، فضلا عن تكريم مجموعة من الشخصيات البارزة التي تساهم في الحفاظ على التراث الثقافي في المتحف.

وبالرغم من مظاهر العصرنة التي تميز فضائها العام، فإن الصين تظل متشبثة بتراثها العريق في مزج فريد بين الأصالة والمعاصرة، مقدمة للعالم نموذجا مشرقا لحضارة آسيوية أغنت التراث الإنساني. وكان للرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة دورا بارزا في تقديم الصين التي زارها في القرن الـ14 وحضارتها للعالم العربي وللعالم ككل بعدما ترجم مؤلف رحلته “تحفة الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” إلى عدة لغات بينها الصينية.

قد يعجبك ايضا

اترك رد