المقهى .. قصة للكاتبة المراكشية سميرة بورزيق 

0 285

 

هذا المقهى عجيب ..وغريب أيضا ..غنه يشكل مبتدأ الحياة ومنتهاها .
تقول إحداهن بصوت مرتفع : ” نعيش ونبرع راسي ومن بعد ؟؟ “
إنها تسأل عن الما-بعد ..وهذا لايجوز هنا ..الما-بعد ..الما – ورائيات ممنوع ..نحن هنا لنعيش وكفى ..ترد عليها أخرى وهي تفتح الزر الثاني لقميصها السماوي اللون . وتضيف : لاتفكري في الغد ..عليك بعيش اليوم ..اللحظة ..وتزيد بصوت خفيف تبعته قهقهة صارخة : نحن حيوانات .
– يبدو أنك ( قارية بزاف ) كانت ثالثة تنفت دخان سيجارتها في وجه الأولى وهي ترد بسخرية وفمها يفضح ما بداخله من خراب كأنه كان ساحة حرب لفيلة هائجة .
كانت الأعين تتربص بالأعين ..وكانت عيناي من المتربصين ومن الأمن الذي لايمل ولايكل . كنت أنخرط دون أن أشعر في لعبة السوق . فقد كانت عيناي تتقلب داخل حجرهما كما لو كانت جرسا في كنيسة . لم أشعر بيدي إلا بعد أن رفعت نفسها محدثة إشارة لفتاة تشبه القمر وتدعوها للانضمام إلى طاولتي . حين اكتشفت حركة يدي لبستني برودة وحرارة في نفس الوقت . تخلصت منها قبل أن يكتشفها القمر الذي يجلس بالقرب مني الآن .
كانت صامتة ..كنت أصم ..كانت تتقلب ..كنت أنتظر . كانت مرتبكة .. كنت هادئا . كانت غاضبة .. كنت أبتسم للسماء .. قبل أن أصعد وأعود عارجا على القمر أمامي . كنت أريد اخبارها أن يدي من دعتها لطاولتي ولايد لي في ذلك ..لكني استبعدت أن تصدقني ..لذلك تراجعت . كنت أفكر في طريقة للتخلص من هذا الاحراج الذي سببته لي يدي .. فرفعت عيني ..وقد زاغتا من مكانهما دون أن تستشيراني فقالتا لعقلي : مابه هذا الجيل الصاعد يزداد جمالا ونزداد قبحا نحن جيل الأمس ؟ .
رد عقلي بابتسامة ماكرة .. وصمت كمن يشارك يدي في تواطئها ضدي .
كانت هناك سمكة التقطت الطعم من صنارة صياد صحراوي ..يجيد الصيد في أعالي الجبال ..سحبت حقيبتها وغادرت المقهى .. ممسكة بخيط الصنارة التي تسحبها إلى الخارج ..غادرت دون أن تدفع ..اكتفت بإمالة غمازتها المنحفرة في الخد الأيسر من وجهها في اتجاه ( البارمان ) الذي التقطها والتفت إلى ماكينة قهوته دون أن ينبس بكلمة . لكن جسده كان يصرخ .. لكنه لايمل ولايكل من الانتظار ..فالانتظار هنا .. جميل .
في البحر يكون الذكاء وسرعة البديهة ضروريان للصيد الوفير .. وبما أنني افتقدهما هنا .. فقد تكلفت أعضاء جسدي بذلك ..وقد صارت تقرر بدلا عن رأسي الداخلي .. فيدي استدعت فتاة تشبه القمر .. وعيناي جحظتا في وجهها القمحي .. وباقي جسدي مشتغل الآن نيابة عني .
في هذا البحر يكفي أن يكون لك جسد لايشيخ ..وأن تشم رائحته من سبعين ألف سنة . فهل أنت تحملين نفس الشرط ؟ سألت القمر .. فرد القمر أنه من الآفلين .
بصعوبة اقتنصت طاولة بالقرب من الواجهة الأمامية للمقهى ..بصعوبة أيضا وصلت إليها قبل أن يسبقني أحدهم ممن كان يتربص بها . كل الطاولات والكراسي مشغولة .. كلها خارج التغطية .
رأسي الداخلي يقول : ” إذا أردت أن تكون لوحدك اذهب للضيعة ” .
طلبت قهوة ( منسمة بالنعناع ) . وانتظرت النادلة أن تمدني بطلبتي .
هنا يجتمع كل شيء مع كل شيء .. لافرق في -جليز- بين بنت ” دارهم ” وبنت ” دراهم ” . إنهم يرددون هذا باستمرار . فجليز يجمع كل شيء مع كل شيء .
في المقهى .. الكل ينتظر الكل .. الكل يترقب ويراقب عيون الكل .. من سيغمز أولا ومن سيقوم بالحركة ثانيا .. وأخيرا من سيلتقط الإشارة .. ينال جائزته ويمضي ..ليترك طاولته لعابر آخر .
في المقهى تتناوب الشابات على الوقوف لبعض الوقت .. والانصراف بعد حين .. ينصرفن لتعديل مكياجهن في حمام المقهى .. أو في حمامات ( المول ) المجاور .. أو ينصرفن للتفاوض مع – كليان – عابر . هل يتناوبن حقا ؟ .
إنهن يتنافسن ..ظاهرهن يتناوب ..بينما باطنهن يتنافس ..ويصارع من أجل الظفر بأضخم جائزة .. وكلمة تناوب هنا تبدو بليدة وسياسية أكثر .. تذكرني بالسياسيين . لكن المنافسة هنا شريفة وعفيفة .. والصراع حتمي وحتميته تجعله مقبولا ومتقبلا ومقدسا أيضا . بينما تناوب السياسيين فاسد جدا .
في المقهى كنا ننتظر .. كلنا جدد . لكنهن مبتدئات ..وهذا المكان لمن سيتدبر أمره لاول مرة ..للجدد فقط . بينما القدماء : قدماء المحاربين فلهم ( كليانهم ) ولهن ( كليانهن ) ..لهم طرقهم ووساطاتهم .
هنا .. تلتقي النساء اللواتي نزلن لتوهن من قطار قادم من مدن شمالية بسبب ركود فصل الشتاء .. مع اللواتي طلعن من جنوب هروبا من ضغط أب ورقابة أخ . هنا تترك الشابات حقائبهن الوردية مسندة إلى طاولات المقهى .. ويممدن أرجلهن لترى الشمس . يجتهدن بدقة متناهية لابراز هذا الجزء من لعبة السوق . ففي المقهى ..كل شيء قابل للبيع .. وكل شيء بالمقابل قابل للشراء ..إنها سوق مؤمنة جدا .. فالأمن يحوم حولها جيئة وذهابا ..إنه لايمل ولايكل . ثمان ساعات من الذهاب والإياب .. ينتهي دوام فريق  ويستبدل بفريق آخر ..متى ؟ لا أعرف .. فالأمن متشابه بجليز .. كأنه خرج من بطن أم واحدة ..حتى داخل المقهى يوجد أمن ..لاتعرفهم ..لكنك تحسهم ..تحدسهم .. فالكل هنا أمن : الكل يراقب الكل .. الكل مستعد لأن ينقض على الكل في أدنى حركة تخل بالنظام . في المقهى يسود الأمن ..حتى فناجين القهوة وكؤوس الشاي وأشياء أخرى يسودها الأمن .. فلاتسمع لها صوتا ولاضجيجا ..وحده صوت الإشارة والمعنى .. صوت اللذة ورائحتها .. صوت الأوراق المالية في بورصة المقهى .. وحده صوت الجسد وهو يتمايل ويترنح .. يقف ..ويجلس ..يضع رجلا فوق رجل .. يبرز نهدا ..يرفع خصلا شعر .. يغزل وينزل أخرى .. يعدل زر قميص .. يضع قرذا .. يحمل سيجارة .. يحمل حقيبة ..يحمل إشارة ..يحمل معنى .. يحمل درهما .. يحمل قبعة .. يحمل ” بيرية “.. يحمل عباءة ..يحمل لحما بضا .. يحمل آخر رقيا .. يحمل أطنا من اللذة المزعومة .. يحمل براعة التمثيل ..وأداء الواجب الذي تسطره لنفسك .. وتصارع من أجل تنفيده . وحده صوت الجسد تسمع وتراه .
***سميرة بورزيق قاصة مغربية من مراكش ..صدر لها علن”هل  يكذب الأموات…؟” ، التي تأتي بعد إصدارها لمجموعة “يدي ممدودة للحلم” سنة 2012…

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد