تازة: عادات وتقاليد متنوعة في رمضان

0 185

تتميز مدينة تازة، في شهر رمضان المبارك بطابع خاص من حيث التقاليد والعادات، والتي لا تختلف في جوهرها على ما تعيشه الأسر المغربية في باقي مدن المملكة من أجواء روحانية وتعبدية أصيلة مرتبطة بهذه المناسبة الدينية التي تحتفل بها الأسر سنويا بشغف كبير. فكلما حل شهر الغفران، إلا واستعدت كل الأسر التازية لإستقباله بكل سعادة روحية وإيمان قوي، ولعل ما يميز رمضان لدى العائلات التازية هي العادات والتقاليد المترسخة في وجدانهم والموروثة أبا عن جد.

ويشكل هذا الشهر الفضيل مناسبة للأسر التازية لإحياء التقاليد والعادات التي ورثتها عن أجدادها، وبالخصوص الحرص على قضاء هذا الشهر رفقة الأبناء والأسرة الكبيرة. وتبدأ الإستعداد لصيام شهر رمضان منذ بداية منتصف شهر شعبان، حيث تعكف الأسر على شراء ما تحتاج إليه من سلع ومواد غذائية أساسية، وتشهد الأسواق المحلية حركة غير عادية، مع تزايد الطلب على السلع التي تستهلكها، حيث تظهر العديد من المحلات الموسمية على طول الشوارع والأزقة، أبرزها “قبة السوق” الذي يعتبر القلب النابض للمدينة العتيقة تجاريا واقتصاديا وحضاريا وثقافيا. ومن هذا الفضاء يحرص التازيون على شراء الأثواب البيضاء التي تستعملها النسوة لخياطة أعلام ترفع فوق أسطح المنازل احتفاء برؤية الهلال، واقتناء كل ما يلزمهم لإحياء منتصف الشهر الكريم وليلة القدر ثم بعيد الفطر. كما تقتنى النساء الكسوة البيضاء الخاصة بالصائم الصغير (جلابة وسلهام وبلغة) والمواد الغذائية التي تستعمل في تهيئ خبز مدهون بالبيض ومملوءة بالزبيب واللوز والجوز تقدم له بهذه المناسبة، وكذا الزي التقليدي الذي يخصص للصبية التي تصوم لأول مرة، والتي تقام لها نفس الاحتفالية بنفس التقاليد والعادات، إضافة إلى اقتناء التاج الذي يوضع على رأسها احتفاء بها على نجاحها في تمثل القيم الاجتماعية والثقافية الأصيلة المتوارثة. وقبل حلول هذا الشهر المبارك بأيام قليلة تشهد المساجد والزوايا عمليات تنظيف وإصلاح وترميم يقوم بها القيمون على المساجد وكذا العديد من المتطوعين والمحسنين الذين يساهمون في هذه المبادرات لوجه الله وابتغاء مرضاته. فالعبادة برمضان لدى التازيين تبدأ بمراقبة الهلال، إذ تقوم النساء بخياطة علم أبيض خاص بهذا الشهر الكريم، بعد ذلك يشتد التنافس بينهن لرؤية الهلال، من أجل الفوز بالسبق في رفع العلم الأبيض فوق سطح المنزل طيلة الشهر الفضيل، وتحمل هذه العادة مغزى احتدام التنافس الحميد بين العائلات التازية حول القيام بأعمال الخير تقربا لله عز وجل، وكذا الأمل في تنقية العباد من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. ومنذ اليوم الأول، تشهد مختلف المساجد بالمدينة إقبالا ملفتا من طرف المصلين خلال الصلوات الخمس، كما تعرف هذه المساجد وبعض الزوايا التي يتم افتتاحها خصيصا في شهر رمضان جوا روحانيا يعبق بالذكر وتلاوة القرآن والتضرع إلى الله بالدعاء الصالح علاوة على تنظيم دروس دينية. وفضلا عن الحرص والاهتمام بالجانب التعبدي والديني، تهتم العائلات التازية بالمأكل والملبس من خلال إحياء العديد من العادات والتقاليد التي تعود إلى تاريخ قديم احتفاء بشهر رمضان الأبرك. حيث تعمل السيدات التازيات على إعداد “شهيوات” متميزة لا تغيب عن مائدة الإفطار طيلة أيام هذا الشهر ونخص بالذكر المخرقة، البرويوات، سلو، الرغايف معسلة، و المحشوة بالخليع، و المحشوة بالخضر، كريوش، بغرير، المسمن، الحرشة، المحنشة وغيرها من الشهيوات. ويعتبر رمضان مناسبة سنوية تتكرر من أجل التبضع وشراء كل ما يلزم من مواد للشهر الكريم، حيث تقبل السيدات التازيات على تبضع كل ما هو منتوج ( بلدي ) يتم من خلاله تهيئ شهيوات وعجائن ومشروبات تزين بها مائدة الإفطار. السيدات التازيات يحضرن كل ما يلزمهن للشهر الكريم من حلويات ومأكولات ليس لبيوتهن فقط، بل لا بد ان يقدمن “الذواقة” لجاراتهن واحبابهن وكذا الفقراء والمعوزين. وفي الواقع يغير شهر الصيام كليا الحياة اليومية العادية للعائلات التازية، ويظهر ذلك من خلال الملبس ايضا، حيث تحرص السيدات خارج البيت على ارتداء الحجاب والجلالب المزينة بالطرز أو الراندا أو الخياطة البلدية، بيمنا يرتدين بالبيت القفطان البلدي أو قفطان ومنصورية، فيما يبدع الرجال كذلك في ملبسهم من خلال تنوع الكندورات والعباءات والجلالب والبلاغي، بينما الأطفال يرتدون الجبدور والجلالب والبلاغي وكل ما هو تقليدي. وتقضي الأسر التازية كل ايام الشهر الكريم في نفس الأجواء الروحانية، حيث بعد أذان صلاة المغرب والفطور، يتجه الجميع للمساجد من اجل صلاة العشاء والتراويح، وبعدها غالبا ما يتوافد الناس على المقاهي والفضاءات المفتوحة، بينما يفضل الآخرون العودة إلى البيت لقضاء الليلة بين أفراد العائلة ومتابعة ما يبث على القنوات التلفزية في انتظار السحور وصلاة الفجر. وبخصوص تبادل الزيارات العائلية في هذا الشهر الفضيل، تتناوب العائلات على زيارة بعضها البعض، كعادة لم تتأثر بالزمن لدى العائلات العريقة، وذلك بفضل التراحم والتلاحم الذي يميزها خلال الشهر الكريم . وتبقى ليلة القدر ذات وقع كبير على قلوب التازيين، يقضونها متجولين بين المساجد من أجل الصلاة والتعبد والدعاء، وغالبية التازيين يحاولون الصلاة في أكثر عدد ممكن من المساجد في الليلة الكريمة. كما يرتدي جميع افراد الاسرة لباسا يليق بليلة القدر وعظمتها عند الله عز و جل. وفي الصباح الباكر يحج التازيون الى المقابر من اجل الترحم على الاموات .

قد يعجبك ايضا

اترك رد