تجارب في الميدان التربوي.

0 186

بقلم :الأستاذ محمد راكع


في أوائل شهر شتنبر من كل سنة تفتح المدارس أبوابها لطلاب العلم باختلاف أعمارهم ،كما يلتحق الأساتذة بفصولهم الدراسية ،لكن الأساتذة الجدد منهم ـ خريجو مراكز التكوين ـ شأنهم كشأن أي طالب أو تلميذ جديد في المؤسسة المستقبلة ،يحدوه شوق كبير لاكتشاف عالم جديد له معالم متعددة في مخيلته، فالأستاذ الخريج يظل مستحضرا كل ما تعلمه من نظريات وبيداغوجيات تربوية طيلة مدة التكوين وكيفية تنزيلها في واقع يكاد يجهل ماهيته تماما، مما يتولد لديه حب الاكتشاف والخوف من الفشل في آن واحد من مواجهة هذه الحياة الجديدة ،أقصد الحياة العملية .وفي هذا الصدد تعود بي الذاكرة إلى الماضي ب 18 سنة يوم تخرجت من مركز تكوين المعلمين و المعلمات بقلعة السراغة . لازلت أتذكر جيدا أول يوم وطأت فيه قدماي تلك المنطقة الجبلية الصعبة المسالك و القاسي مناخها إلى حد ما بإقليم شيشاوة ،حيث تعيش يومئذ العزلة بكل مقاييسها ،فالطاقة الكهربائية منعدمة وشبكة الاتصالات الخلوية غير متوفرة إلا على قمة جبل بعيد عن القرية بمسافة تقدر بساعتين مشيا على الأقدام، أما وسائل المواصلات فلا تكاد تسمع صوت محرك شاحنة أو سيارة نقل مزدوج إلا مرة في الأسبوع .هناك وفي تلك الظروف تدرك معنى مفهومي الصبر و التحدي . إلا أن الأمل بالغد المشرق يظل قائما في ظل الرسالة النبيلة التي يحملها رجل التربية ـ الأستاذ ـ وفي تواجد حجرات دراسية تحتضن أبناء هذا الوطن الشغوفين للارتواء من نهر العلم و المعرفة .مع أول لقاء بتلاميذ في مقتبل العمر أقف على أول عائق تربوي يصعب تجاوزه ألا وهو غياب التواصل معهم لعدم درايتي باللهجة البربرية المحلية التي لا يتقنون غيرها ،هناك وقفت حائرا لا أكاد أفهم كلمة من كلامهم وهم كذلك لا يفهمونني ، حينها لا البيداغوجيات ولا النظريات التربوية و لا طرق التدريس المتعددة تسعفني على فك الشفرة لتحقيق التواصل فيما بيننا ،حيث بات لزاما علي الاسراع في تعلم الحد الأدنى من اللهجة البربرية حتى أتخلص من لغة الاشارة التي اعتمدتها مرغما لتيسير التواصل مع التلاميذ داخل الفصل والتي لم تكن كافية شافية ،فلقد جعلت لنفسي مكانا بين سكان القرية عبر نسج علاقات اجتماعية يسودها الاحترام والتواضع لكل صغير و كبير كما كان لأمام المسجد الفضل في تعلمي اللغة الأمازيغية عبر الحوار شأنه شأن من التقيت من شباب القرية المتحدثين بالعربية على قلتهم إلا أن الفضل الكبير بعد الله عز وجل يعود لتلميذة جديدة تلتحق بنا بعد شهر من الدراسة على ما أذكر تحسن إلى حد ما الحديث بالعربية الدارجة لقضائها بضع سنوات بإحدى المدن المغربية ،فهذه التلميذة الوافدة كانت تلعب الدور الأساس داخل الفصل الدراسي دور المترجم الفوري فصرت أعلمهم وأتعلم منهم . وما هي إلا بضعة أشهر حتى تمكنت ولله الحمد أولا من فهم الخطاب الأمازيغي و ثانيا تعلم تلامذتي قراءة وفهم الكلمات و الجمل العربية .ومن هذا أقول أن الصبر و التحدي لا يثمران إلا خيرا. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد