ظاهرة تقديس الاولياء …. وطقوس التدين الشعبي

0 129

ذ. بادرة محمد

” ءاكرام ” وجمعها ” ءيكرامن ” تعني في الاصطلاح الامازيغي ” الولي الصالح ” او ” الشريف” او ” السيد ” و تطلق نفس الكلمة على الجد المؤسس للزاوية الدينية او صاحب المزار.

وغالبا يقيم هؤلاء الصلحاء والاولياء ( ءيكرامن) بجوار ضريح الجد المؤسس للسلالة الشريفة. وفي العرف المتداول لا يجوز ان يضطلع الجميع بوظيفة ” تكرامت ” اذ لا يقوم بها سوى افراد قليلون من سلالة ” ءاكرام ” بل احيانا شخص واحد اما الاخرون فيجرون مجرى العوام او يظلون صلحاء في حالة خمول – الأنثروبولوجيا والتاريخ – منشورات دار توبقال للنشر ص 50

ان هذا اللفظ المحلي (ءيكرامن) يقترن معناه بفئة مخصوصة من خاصة الناس المتسمين بالزهد والورع والتصوف والسخاء والكرم والسعة، كما ان معناه يقترن بالشجاعة المثالية في الاستقامة والامانة، وتنسب للأولياء عدة كرامات و ” معجزات ” لكن في مناطق اخرى من سوس يستعمل هذا اللفظ للدلالة على فعل ( ءاسكرم) ويعني (الحلاقة) نظرا لارتباط هذا الطقس الاجتماعي ( قص الشعر للرضع والاطفال ) بفئة مخصوصة من ابناء واحفاد الولي الصالح دفين الزاوية او المزار، وتوكل لهؤلاء مهمة قص شعر الرضع والاطفال ذكورا كانوا او اناثا… وخلال طقوس قص الشعر تترك خصلات قليلة في الجهة الخلفية للراس او فوق الجبهة وهي عادة متوارثة عند مجموعة من القبائل السوسية، وهذه الطقوس غالبا ما تمارس اثناء الاحتفالات التي تقام بالزاوية او بضريح

” السيد ” صاحب المزار و كذلك اثناء الاعياد الدينية حيث يحمل الاباء اطفالهم الى هذه المزارات او الزوايا ويختارون من ابناء واحفاد الولي من يقص شعر الطفل او المولود وغالبا ما تحصل هذا الطقوس بعد اربعين يوما من ميلاد المولود (ة).

وتزخر الذاكرة الجماعية في جميع انحاء الاطلس الكبير والاطلس الصغير وكل المناطق الاخرى من المغرب بإشارات عديدة عن دور الاولياء والصلحاء في تثبيت الامن والاستقرار والسلم، حتى ان الاضرحة والقبور الخاصة بالأولياء اصبحت اماكن حج يحرم فيها القتال، وتشيد بجوارها المخازن (اكودار) وتقام حولها الاسواق والمواسم، وتمر بجوارها المسالك، وتعقد داخلها الاجتماعات وحلقات الصلح والسلم.

يقوم الولي الصالح او ” السيد ” او “ءاكرام ” بدور هام على مستوى البنية السوسيو – ثقافية فهو صلة الوصل بين القبائل وبين النسق الديني السائد، ويعمل على ضمان اندماج هذه القبائل داخل المجتمع الاسلامي عبادة ونهجا وسلوكا، كما انه يقوم بدور فعال على مستوى البنية السوسيو- سياسية لأنه يمتلك صفات مختارة دينيا واخلاقيا في المجتمع. ونظرا لأهمية دوره الاجتماعي والديني والسياسي فقد حدد الكثير من المؤرخين هذه الادوار الهامة ولخصوا بعضها في امرين اثنين :

– احداهما هو ما يتكفلون به للناس من حماية لهم و لأبنائهم واموالهم ضد كل قوى الشر المرئية منها وغير المرئية، وما يجلبه رضاهم على الناس من بركة في الاحوال والاموال وصحة البدن.

– ثانيهما ما يضطلعون به من مهام التحكيم سواء بين الافراد او بين الجماعات في حال نشوب نزاعات او صراعات وما تكسبه اضرحتهم من قدسية تساعد على حل كثير من المشاكل المتعلقة بأمن الافراد وبالمنازعات الجنحية، وكثيرا ما تكون اضرحتهم وزواياهم مزارات تقام بجوارها مواسم دينية لا تخفي اهميتها الاجتماعية والاقتصادية والروحية وحتى السياسية.

ان الاولياء ( يمدون القبائل بالاستمرارية وبالهيكل القار الذي يفتقر اليه نظامنا السياسي…والصلحاء هم الذين يوفرون المكان والضمانة الاخلاقية التي تمكن العشائر المتنازعة من الاجتماع والقيام بعملية الانتخاب، لان ذلك يتم في مقر الزاوية قرب ضريح الجد المؤسس، وهذا الضريح وما جاوره حرم لا يجوز التنازع في داخله، ومن جهة اخرى يوفر الاولياء وسائل الاقناع الاخلاقية وعناصر الوساطة التي تنتهي الى نتائج يقبلها الجميع، وبعبارة اخرى فهم يشكلون حجر الزاوية لنظام الاعراف المحلية – نفس المرجع السابق ص 50

تقديس الاولياء … شكل من اشكال التدين الشعبي

ان تقديس الاولياء من طرف العوام او الخواص نابع من الاعتقاد بكونهم يملكون صفات خرقة وكرامات صاعقة:

ففي بعض الروايات المأثورة عن ” سيدي رحال ” يعتقد انه كان يحوم في الهواء حول صومعة الكتبية بمراكش وهو يمتطي اسدا، ويروى عن “سيدي ابراهيم” انه كان مفرطا في زهده مما اذهل معاصريه، اذ يروى انه كان يقتات بثمرة واحدة في اليوم، واشتهر مؤسس زاوية “تاسافت” بانه كلي الحضور، وفي الجنوب المغربي وفي سوس تحديدا هناك روايات شفوية واخرى مكتوبة عن كرامات ومعجزات للولي ” سيدي احماد اوموسى” بتازولت. هذا الولي تشكلت خطوته الرمزية لذى الناس استنادا الى ايمانه الصادق واعتمادا على روايات تتضمن تحقيقه لعدد لا يحصى من الكرامات والخوارق.

ولد ” احماد اوموسى” سنة 853ه – موافق 1450م- في بومروان بمنطقة اداو سملال ، من حلف اكوزولن بسوس الاقصى، وتركز العديد من الروايات على غرائب ” احماد اوموسى ” ومن بين تلك الغرائب التي يزخر بها موروثه الثقافي الشفاهي :

– اطلاعه على خبايا النفوس.

– فهمه للغة الطير والحيوان (المعسول 12 – ص 46).

– تحويل الرمل الى ذهب.

– معالجة المرضى والمشلولين,

– اعادة الخصوبة الى النساء والى النبات.

وتشير العديد من المصادر الى ان ” احماد اوموسى” لم يكن يروي او يرسم على مسامع حضوره البطولات والخوارق، فقد كان يسترق السمع ونظرات المحلقين حوله ليحدد مواضيع حلقته لدرجة تسمح له بالخوض في الذات المجتمعية، والكشف عن خبايا الثوابت والمتغيرات، وان اتقان فن الاحتياط والسرية يكفي لإحاطة صاحبه بهالة من الهيبة والوقار وتضفي على صورته من المبالغات الشيء الكثير.

كان الولي ” احماد اوموسى” يتشدد في اخفاء كراماته، وفي عدم ذكر شيوخه بل قل ان يسمع وهو يصف احدا بالصلاح او الطلاح ( المعسول 12 ص 38). ومن الروايات التي رويت عن صورته ومقامه، ان الشيخ ” محند ابراهيم ” شبه نفسه بالنجم و” احماد اوموسى” بالشمس التي يحجب طلوعها كل النجوم، وكان في مقدور الولي احماد اوموسى ان يرد بالنفي عندما بلغه الخبر لكنه فضل ان يرد باقتضاب : صدق لكم (المعسول 12- ص 45).

ان الاعتقاد الاسطوري بخوارق الاولياء تصاحبه مجموعة من الطقوس والمعتقدات والعادات التي تعود الى فترة قديمة من التاريخ تمثل الاشكال الاولية للحياة الدينية، فالي جانب تمثل البركة والقداسة في الولي، هناك ظواهر اخرى مصاحبة لهذه القداسة، منها ما يقترن بظواهر طبيعية (– الصخور – الكهوف – المغارات – عيون المياه ..)

ومنها ما يقترن بالاعتقاد والايمان بوجود القوى السحرية ( الجن )، وكل ذلك في اطار تعايش سلمي واضح على مستوى اللاشعور الثقافي والجمعي بين معتقدات تعود الى التاريخ القديم من جهة وبين المقدس الديني من جهة ثانية، ومن مكونات التدين الشعبي:

– زيارة المغارات والكهوف بقصد علاج اضطرابات الخصوبة – العقم – الاجهاض- او رغبة الزوجين في ان يرزقا بطفل ذكر( تكندوت بنكنافة – تاغيت اخنيفن – شمهروش بسفح جبل توبقال … ).

– زيارة منابع المياه وخصوصا تلك التي تملك خاصيات علاجية من قبيل المياه المعدنية الحارة التي تكون كبريتية يصدر عنها بخار فتعطي عالما سحريا، وهي مواقع يعتقد انها موطن للجن (وتكاد كل الينابيع تملك تاريخا حقيقيا او اسطوريا اكثره شيوعا هو ذلك المستوحى من النبي موسى عليه السلام وهو يضرب الارض بعصاه لينبثق الماء فيها ). فالأولياء والجن كائنان ضروريان في بعض الاحيان لانبعاث المياه الجارية ذات النفع، كما ان هذه الروايات الشفوية تعتقد بان ابتعاد الناس عن عبادتهم وخبثهم هما السبب الرئيسي في نقصان الماء اوفي الجفاف،….وتملك المياه التي اكتشفها الجن او الولي خصائص علاجية في نظر العوام، فهي تشفي من الامراض ومن العقم ( بول باسكون – بيت الحكمة – العدد 3- ص 87).

– الاعتقاد بالسلطة السحرية وهي سلطة ميتافيزيقية يلجا اليها الضعفاء والفقراء والمظلومين والمحرومين، ويتغدون بها لمقاومة المتجبرين ومجابهة الاقوياء بسلطتهم المادية والمعنوية، فالسخط وسيلة لإعادة ” توزيع العقاب والمصائب ” على المعتدين والجبابرة والاعداء والخصوم.

– استعمال التمائم و الحروز من قبل النساء وصغار الاطفال والحوامل والمرضى والمشوهين والمعوقين حيث يعلقونها في اعناقهم او في محلاتهم وعلى دوابهم وسياراتهم وكأنها قوة غيبية ترد عنهم كل الشرور والمصائب.

المرأة و تقديس الاولياء

في شمال المغرب ووسطه وجنوبه تتواجد سلسلة متصلة من الاضرحة والمزارات لأولياء و”سادات” يتمتعون بقدرات ” خارقة ” في علاج المرضى والمختلين والمصابين

بالصرع والمعتوهين..، وتشكل هذه الامكنة فضاءات يلتمس فيها العليل شفاءه و تلجا اليها النساء لأبسط حالات القلق او الاضطراب النفسي او الجنسي، ويحج اليها الكل في مناسبات خاصة وتقام فيها الاضحيات.

– أ- كان ضريح بويا عمر قبل ان يتم منعنه من طرف وزارة الصحة مقصدا لعدد كبير من المختلين عقليا القادمين من كل جهات المغرب، وبجوار هذا الضريح تتواجد مجموعة من المساكن العشوائية والخيام التي يأتي اليها المرضى رفقة عائلاتهم، وفي هذا المكان تجد ” الخلوة ” المحفورة تحت الارض ينزل اليها المصروع مكبلا ليمكث فيها اياما الى ان تنفك اغلاله من تلقاء ذاتها، بل كانت تمارس فيه بعض العلاقات غير الشرعية حسب الروايات المتواترة.

– في مناطق اخرى تجد مغارات مشهورة بطقوس ” ليلة الغلط ” حيث يدخل الافراد من الجنسين الى المغارة قصد الاحتفال بمدار فصل الشتاء، او باعتدال فصل الربيع، ويتعاطون لعلاقات قد تكون في احيان كثيرة جنسية حرة .

– في اغرم كانت النساء تقوم برجم مغارة مغلقة على خاطب نكث عهده ثم ينصتن الى صرخاته ويؤولن نبوءاته عن الغيب.

– عيشة قنديشة الاسطورية ( وليس التاريخية) هي كبيرة ” الجنيات ” اضفى عليها الناس صفات خرافية، و بالنسبة للبعض هي شابة حامية تغوي عشاقها وتسحرهم تم تلتهمهم، و للبعض الاخر هي ساحرة شمطاء شيطانة، تتلذذ بالفصل بين الازواج، انها قد تكون شخصية اغريقية المنشأ تحيلنا على ( عشتار ) ملكة الحب القديمة التي كانت معبودة على امتداد دول البحر المتوسط من قبل الكنعانيين والفينيقيين والقرطاجنيين.

ان تقديس الاولياء عند المرأة هو نوع من التدين الباطني، وهو ذو وظائف اجتماعية وعلاجية ورمزية، ان موسم الولي او ” السيد ” هو لحظة زمنية خارجة عن نطاق الزمن المادي الرتيب ولحظة زمنية ممتعة تنعش المكبوت وتقطع الصلة بزمن الاستبداد والاستغلال المهيمن على سلطة اليومي.

ان زيارة ضريح الولي او الاحتفال بموسمه هو لحظة متميزة بكثافة المقدس لأنه فرصة للمرأة كي تنقطع عن الزمن اليومي وتنفصل عن المعتاد والرتيب. ففي ايام الاحتفال واثناء الموسم الديني تحقق المرأة التواصل الوجداني والعاطفي بينها وبين الاخرين وتستطيع ان تفجر مكبوتاتها وتطلق العنان لكوابحها وتفجر ما كمن في اعماق لا شعورها وتتحرر من الخوف والخجل والصمت وتعبر عن مشاعرها وعواطفها كما شاءت دون ان يكون هناك من يمنعها من ذلك.

ان مقام الولي هو مكان حرم كل من يدخله امن مطمئن لا يتعرض للقمع او للضغط او للمساومة، لذا فالمرأة تطمئن حينما تلج هذا المكان وهذه القاعدة الامنة فتتحدث طوعا عن همومها واحزانها ( العقم – الاجهاض- الحسد ) وتتواصل مع غيرها من الزائرات والزائرين وتحي في هذا الزمن الاستثنائي حالة فريدة وتجربة وجدانية يكون فيها المقدس شاهدا على هذه التجربة .

اشار الاستاذ عبد الواحد بن ياسر الى ظاهرة تقديس الاولياء واعتبرها من الطقوس والمعتقدات التي تعود الى التاريخ المغاربي والمتوسطي القديم، ورأى انها تمثل الاشكال الاولية للحياة الدينية في المنطقة ، كما يشمل التدين الشعبي الى جانب تمثل الاله الواحد – البركة والقداسة ( الولاية). كما يمكن ان يكون هذا المقدس مقرونا بظواهر طبيعية ( الاشجار – الصخور – مجاري المياه – الكهوف …) و يضيف الكاتب ان وحدة الخطاب التيولوجي يميز بين هذه الظواهر وبين تدين النخبة الخالص، بيد ان التدين الشعبي يجمع كل هذه العناصر وضمنها معتقد التوحيد ضمن تجربة واحدة ومتجذرة ومن هنا تبتعد ظاهرة التقديس للأولياء من ان تكون تعبيرا عن شكل تدين بدائي او رفض واع للإسلام كما اعتقد وروج لذلك الاستشراق و الأنثروبولوجيا الاستعماريان لزمن معين.

ذ. محمد بادرة

قد يعجبك ايضا

اترك رد