قصة قصيرة: “ارتعاشات بين الأغصان ” . عبد اللطيف النيلة .

0 167


لم تكف الوساوس عن نهش قلب لبنى معكرة مزاجها، منذ أن عاد زوجها إلى بلاد المهجر. ورغم أنه واظب على مكالمتها نهاية كل أسبوع، فإن الأحداث التي وقعت قبل سفره أرخت بظلال الشك والفتور على علاقتهما، وكلماته الباردة القادمة من وراء البحار، لم تزد على أن عمقت إحساسها باتساع الهوة بينهما. لم تكن تجد العزاء إلا في مراودة اللوحة عن نفسها بألوان تغمسها في جرحها الغائر.

تصعد لبنى إلى غرفتها الصغيرة – التي اتخذتها مرسما- بالدور العلوي من منزل أبويها، تغلق الباب، وتترك نفسها نهبا للأفكار والأحاسيس قبل أن تشعر برغبة جارفة في تفريغ هواجسها على بياض اللوحة.  لكن أصابعها لم تكن تفلح سوى في تلطيخ البياض ببقع داكنة كأنها تومئ إلى تلك اللطمات الموجعة التي سددها الزوج إلى روحها. تعاود الكرة في كل مرة، معملة فرشاتها في فراغ لوحة جديدة، بلمسات سريعة متوترة، فلا تحصد إلا لطخات تضاعف مرارتها. بيد أن محاولاتها أسفرت، أخيرا، عن أثر يرهص بالمعنى. رسمت أصابعها ما يشبه رجلا يخطو إلى الأمام، نصف ملتفت، إلا أن جانب وجهه الظاهر كان بدون ملامح. تملت ثمرة عملها للحظة، شاعرة بقليل من الرضا، كأن فرشاتها عثرت على طريق يجدر بها أن تسلكه حتى نهايته، وإن كانت الحيرة مستبدة بأعماقها: لا تدري لم تركت الرجل بلا ملامح، ولم لم ترسم أمامه دربا تقطعه قدماه، ولم جعلته معلقا في الزاوية السفلى يمين اللوحة، يتيما وحيدا، لا شيء حوله، ولا أحد معه؟

ذات عشية، كانت لبنى تذرع شارع “لبْرانْسْ” المرصوف، المحفوف بالمحلات التجارية من الجانبين، والغاص بالعابرين، فارتطم كتفها، فجأة، بكتف أحد المارة، فأصدرت آهة صغيرة، واستمح كل منهما الآخر عذرا، في الآن نفسه تقريبا. استأنفت السير، لكنها لم تلبث أن التفتت خلفها حين خيل إليها أنه يشبه وجها سبق لها أن رأته من قبل، فوجدته ملتفتا بدوره، ينظر ناحيتها. شعرت فورا بالخجل، فاستدارت لتتابع سيرها. توقفت بعد حين تقلب الملابس المعروضة قدام أحد المحلات. نظرت جهة اليسار بطرَف عينيها، متظاهرة بأنها تتأمل بيجامة “كشمير”، فاكتشفت أن الرجل يتعقبها. سألت البائع عن سعر البيجامة، أعادتها إلى مكانها، ثم واصلت خطواتها. حاذاها الرجل، أحست بنظراته تلتهم، جانبيا، وجهها ذا البشرة الناعمة البيضاء والقصة المتدلية فوق الجبين الصغير، بل إنها تسرح في ما يرسمه الجلباب من مفاتن جسدها. بدا كما لو أن الجرأة لم تواته لمباشرتها بالحديث، فراح يؤجل الأمر، خطوة بعد أخرى، حتى بلغتْ نهاية الشارع. حين استدارت لتذرع الطريق نفسه في الاتجاه المعاكس، وجدته أمامها بابتسامة تغمر وجهه:

“اسمحي لي بدقيقة من فضلك..”.

اصطنعت الدهشة وهي تنظر إليه. حسبت أنه ارتبك وهو يراها تحدق في وجهه، بعينيها الواسعتين، مترقبة جوابه. حاول أن يتكلم فتلعثم، لكنه لم يلبث أن امتلك زمام نفسه، فقال إنه سائح قادم من الشمال، وقد سحره جمالها، ويرغب، بصدق، في التعرف عليها… اعتراها شيء من التردد والخوف، غير أنها مالت إلى المناورة:

“وماذا بعد التعارف؟”.

طمأنها بأنه ليس من هواة التلاعب، فغرضه شريف. وإذ رأى الاهتمام على وجهها، أضاف:

“كوني على يقين بأنك لن تندمي.. أين يمكن أن أراك مرة أخرى؟”.

أملت عليه رقم هاتفها، عقب لحظة تردد، ولاحظت كيف استولى عليه انفعال الفرح وهو يسجله في ذاكرة هاتفه المحمول.

خلال عودة لبنى إلى البيت استلذت استحضار صورة الشمالي. رشيق بقامة مائلة إلى الطول، ووجه وسيم قمحي البشرة، ولحية مشذبة، وتلك النبرة الشمالية المختلفة والمحببة. شعرت بانبعاث ثقتها في نفسها واتقادها من جديد. لمست كيف أن مظهرها  لازال جذابا، وهي ترى عينيه السوداوين برموشهما الطويلة تومضان ببريق الافتتان. لكنها لم تلبث أن ألفت نفسها تفكر في ما اقترفته هذا المساء: وقفت، هي المرأة المحسوبة على ذمة رجل، تصيخ السمع لرجل آخر غريب، في فضاء عام غاص بالناس، بل إنها منحته فوق ذلك رقم هاتفها!  كيف حدث أن انزلقت قدماها إلى هذا الحد؟ غزاها الندم، وخيل إليها أن الزوج راقب فعلها من مكان خفي من غير أن تحس. عضت على شفتيها، فيما صوته يتصادى داخل أعماقها: خائنة.. خائنة…

لفت نظرها حوذي يصرخ في وجه حماره وينهال عليه ضربا، بعد أن توقف فجأة وسط الطريق وأبى أن يواصل جر عربة مثقلة بالأحمال. هاج الحوذي صارخا وضربات السوط تتوالى أشد قسوة، إلا أن الحمار لم يتزحزح قيد أنملة.  تابعت سيرها، وهي تفكر: أكانت تنزلق إلى ما اقترفته لولا إحساسها بعبء الهوة التي أخذت تتسع يوما إثر يوم بينها وبين زوجها، فلم تعد تباعد بينهما فقط آلاف الأميال التي تفصل بين مراكش وميلانو، وإنما يباعد بينهما ما هو أخطر من ذلك: يلتهم الشغل، في المهجر، كل وقت الزوج طيلة العام، ولا تراه إلا إبان إجازتين قصيرتين لا تتجاوز كل واحدة منهما الأسبوعين، ولا يتفرغ لها كليا خلال هذه المدة، إذ ينشغل بزيارة أهله ومعارفه وببيع الأشياء المستعملة التي يأتي بها من ميلانو. فلا تهنأ أو تستمتع بقربه كما تشتهي. معدودة هي اللحظات التي تبقى من نصيبها، حتى أنها تحس أن بها عطشا لا يرتوي. وما زاد الطين بلة هو أن الشك سمم آخر إجازة رأته فيها. الشيء الوحيد الذي شبعت منه حد التخمة هو تلك الأشياء التي يجلبها كل مرة من هناك: ملابس، أثاث، أوان، حقائب… غير أن قلبها لم ينتش قط بشيء مما جلبه الزوج قدر انتشائها بتلك العلبة التي تحوي أدوات الرسم: ألواح، فُرش، أنابيب ألوان. رقص النبض في دمها، رغم أن الزوج لم يقدمها إليها كهدية يفاجئك بها خليلك ليشعرك بأنه يفهم، أو يتفهم على الأقل، شغف روحك. لم يقتنها إلا بعد أن ألحت في الطلب إلحاحا، وقذفها بتعليق مازح: “في المرة القادمة، ترقبي أن أحمل إليك ما هو أفيد: آلة خياطة أو أدوات تطريز!”.

يخامرها الإحساس، دائما، بأنه بعيد بعيد عن بقعة شغفها.

منذ آخر مرة رجع فيها إلى البلد، شعرت أن ثمة شيئا ليس على ما يرام. وهي تفتح الحقائب، عثرت في الجيب الداخلي لإحداها على صور. وقف شعر رأسها حين صادفت صورة لامرأة شقراء، في حدود الثلاثين من عمرها، تقف بجانب سيارة زوجها وقد أضاءت وجهها المنمش ابتسامة. قبل أن تمعن النظر في ملامحها، دخل عليها الغرفة فجأة واختطف منها الصورة غاضبا، وأغلق الحقيبة زاعقا في وجهها:

“من أذن لك بفتحها؟”.

ردت عليه فورا، وهي مذهولة:

“وهل أحتاج إذنا لتفقد أشياء زوجي؟”…

في الليل، حين اندس في الفراش بالقرب منها، التمس منها أن تغفر له رد فعله، وأن لا تدع الظنون تذهب بها بعيدا، فقد جاء بتلك الصورة إلى صديق يرغب في الزواج من امرأة إيطالية لتيسير هجرته… ابتلعت اعتذاره، مسلمة بإمكان أن يكون صادقا. غير أنه أثار شكوكها مرة أخرى، عندما غادر البيت، ذات صباح، مدعيا أنه سيستقبل أصحابا إيطاليين سيصلون على متن طائرة. اختفى مدة يومين، دون أن يتصل بها. ولما عاد لم يجد إزاء استقبالها البارد غير التضاحك هازئا من خوفها عليه، كما لو أنه لا زال مجرد طفل صغير، وأعلن أنه رافق ضيوفه إلى منتجع أوريكا، ولم يستطع الاتصال بها لنفاد بطارية هاتفه. وفي يوم آخر، استغرق في مكالمة بالإيطالية لأكثر من ساعة، ورغم حاجز اللغة فقد حدست أنه كان يكلم امرأة فتنت قلبه…

بمجرد أن خلعت الجلباب صعدت إلى المرسم، لبست الوزرة الزرقاء واقتعدت كرسيا قبالة اللوحة، وتنفست الصعداء سارحة الذهن. كان شِبْهُ الرجل الذي شكلته ريشتها يراودها عن أصابعها. خاطبته وهي تتأمل جانب وجهه المجهول الهوية وقد أطلت صورة الشمالي من ذاكرتها: لعلي عثرت على ملامحك. امتدت يدها إلى الفرشاة، غمستها في لون عسلي وانتصبت أمام اللوحة، لمسة أولى وثانية ثم ترددت: لمَ التعجل؟ تقهقرت إلى الوراء تحدق في العين غير المكتملة التي نجمت عن اللمستين، كانت هي الأخرى تبادلها التحديق. هل أصبحت تسقطين في الوهم بهذه السرعة؟ تتبعك الرجل بنظراته، اقتفى خطاك، استوقفك ليعبر عن رغبته في التعرف عليك، واستل منك رقم هاتفك. لا شيء أكثر من ذلك.  ومع ذلك ها أنت تنقادين للوهم دون ترو وحذر! استغرقت في التأمل، لحظة، والفرشاة بين أصابعها المرتخية، والعين غير المكتملة تواصل التحديق فيها. أرسلت تنهيدة عميقة: “هذا الشمالي يبدو مختلفا: أحسست أن النظرات التي ألهبني بها لم تكن تشبه أي نظرة صوبها إلي زوجي، على امتداد سنين زواجنا التي تشارف الخمس،حتى حين جاء، صحبة أمه، يطلب يدي، بل حتى ليلة دخلتنا. تومض نظراته بشحنة روحية تلامس شغاف القلب، وتبث رسائل مطمئنة. والطريقة التي دنا بها مني وكلمني، كانت مخضلة بارتباك يصادق على حمولة النظرات”.

                                             ***

عبثا حاولت لبنى الاحتفاظ بالسر، فأفضت به، في اليوم التالي، إلى صاحبتها الحميمة التي اعتادت مبادلتها الزيارة من حين لآخر. كانت قد تابعت، باهتمام متعاطف، مسار علاقة لبنى بزوجها، ودعتها، إثر شكها في خيانته، إلى التريث قليلا، فربما لو رافقته إلى المهجر، وصارت مثل ظله، لعدل عن الانسياق خلف أي غواية. لكنها عقبت: ” فْ كَرْشْ راجْلك العْجينة!”، عندما التمست لبنى من زوجها أن يصطحبها معه إلى إيطاليا، فتهرب مثلما يفعل دائما، متذرعا بتعقد الإجراءات.

بمجرد أن ختمت لبنى حكايتها، تضاحكت صاحبتها:

“مهلا، لقد مضيت بعيدا مثل مراهقة!”.   

ولما أخذت تلقي الضوء على المشاعر التي اصطخبت بداخلها، قالت الصاحبة:

“ليس عيبا أن تشعري باهتزاز قلبك، بل من حقك أن تبحثي عمن يسعدك، لكن حاذري أن تنجرفي وراء السراب”.

 مساء، صعدت إلى المرسم، وانهمكت في رسم جزيرة بأشجار متشابكة الأغصان، في الزاوية العليا، جهة اليسار من اللوحة. بعد آخر لمسة، تراجعت قليلا إلى الخلف لتتملى منظر الجزيرة الذي بدا أن عين الرجل الأخرى، غير الظاهرة، تتطلع إليه.  

كان على لبنى أن تنتظر ثلاثة أيام، قبل أن يرن جرس الهاتف لحظة َكانت تُنشّف صحن الدار بالجفّافة. مسحت يديها في مئزرها، التقطت الهاتف من فوق منضدة التلفاز، تطلعت إلى الرقم المجهول الظاهر على الشاشة. حين ردت على المكالمة، جاءها صوت ذكوري تعرفت في نبرته على الشمالي. رحبت به من غير أن تقدر على إخفاء ارتعاش صوتها. ذكرها بافتتانه بها ورغبته في ربط علاقة معها، ليقفز مباشرة إلى التماس موعد معها. انتهزت خلو البيت وقتئذ لمكالمته دون تحرج. ترددت مازجة بين التمنع والتخوف من تلاعبه، إلا أنها لم تجد بدا من الاستسلام أمام إلحاحه.

تطلعت لبنى إلى نفسها في المرآة: القامة، بالجلباب الوردي، طويلة مكتنزة في اعتدال، الوجه مدور صبوح تضيئه لمسات ماكياج خفيف، والشعر ناعم لا يجاوز الكتفين… علقت على كتفها حقيبة يد قبل أن تتجه صوب بيت صاحبتها.

وصلتا إلى الساحة الممتدة بالقرب من جامع الكتبية. لم تكن غاصة بالناس. تركت نظراتها تبحث عن الشمالي. أطفال يسوقون سيارات لعب. متنزهون يجلسون على مقاعد من حديد أو على حافات أحواض النبات، وآخرون يقفون على طول الجدار الواقع على يسار الساحة، أو يستندون إلى جدار الصومعة العتيق . عربة صغيرة لبيع الفُشار، وقُفّة لبيع الفواكه الجافة… لاحظت الصاحبة ارتداد نظراتها ناضحة خيبة، فطمأنتها بأن الوقت لم يفت بعد. سحبتها باتجاه بقايا آثار مسورة أمام صومعة الجامع ذات الأحجار الكبيرة العارية:

“دعينا نقف هناك لنراقب الساحة على نحو أفضل”.

سألتها من جديد عن أوصافه. استندتا بظهريهما على سور الأطلال، ولم تمض بضع ثوان حتى أفصحت عن خوفها من أن لا يأتي. ردت عليها الصاحبة:

“سيأتي، المرء يجد صعوبة في الوصول إلى مكان بمدينة يزورها لأول مرة”.

 راحت تراقب الساحة بعينين يقظتين، بل إنها كانت ترمي بنظراتها بعيدا، إلى ممر الراجلين الذي يقطع الشارع الحافل بالسيارات. فجأة صاحت دون أن تشعر:

“هاهو قد جاء!”.

وأشارت إلى الرصيف حيث وقف الشمالي يجيل نظراته فيما حوله.

“هل تقصدين ذاك الرجل الذي يرتدي قميصا أحمر؟”، سألتها الصاحبة، فردت بالإيجاب.

حدقتا إليه معا للحظة، قبل تسألها إن كانت متأكدة أنه هو، فأمسكت بيدها وهمّت بالحركة:

“فلننطلق نحوه!”.

غير أن الصاحبة بدت متحفظة ورجتها أن لا تتسرع. ألجمت قدميها، وقد أحست بوجه الصاحبة ينبض بالقلق. خطا الشمالي، بعدئذ، باتجاههما، ثم توقف بغتة بمجرد أن اكتشف وجود الصاحبة بجوارها، وانعطف يمينا مغادرا  الساحة.

 عندها أفرجت لبنى عن سؤال قاهر:

“ماذا هناك أَ صاحبتي؟”.

جرتها الصاحبة إلى مقعد شغر للتو، وما إن تهالكتا عليه حتى قالت:

“ذاك هو هشام!”.

سألتها من يكون، فأجابت:

“أَلمْ أحدثك عنه من قبل؟”.

وحين لاحظت حيرتها، أردفت:

“كان يعمل معي طبّاخا بمطعم بحي جليز، ولم يفتأ يقص علي، في كل مرة، مغامراته.. هوسُه الإيقاع بالنساء في شباكه”.

فتحت شفتيها بمشقة:

“هل هو.. شمالي فعلا؟”.

ردت عليها بيأس:

“هو شمالي وجنوبي وشرقي وما شئت!”.

لم تدر كيف طوتا طريق العودة، كانت روحها تشعر بدوار الخذلان والانخداع، كأنها تقف على حافة هوة سحيقة بلا قرار، وثمة يد خبيثة تهم بدفعها دون أدنى قدر من الشفقة، بل تدفعها عمدا منتشية بسقوطها انتشاءَ سفاحٍ مريض. أخرس الدوار لسانها، فلم تتجاوب مع كلمات الصاحبة المواسية، أحست أنها تحاول التسرية عنها من غير أن تعي معنى الكلمات التي ألقتها على سمعها. دوَّمَها شعور بالهشاشة والتيه، وسحق الندم قلبها. سرّعت الخطو تروم الوصول إلى البيت.  ودعت الصاحبة عند الباب ناسية أن تدعوها إلى مرافقتها إلى الداخل، وحتى عندما نادت عليها أمها وهي تصعد الدرج اكتفت باستمهالها: “واخّا، هاني جايّة”، ودخلت توّا مرسمها.

تأملت اللوحة لحظة قبل أن تتناول الفرشاة وتشرع في إعداد الألوان. رسمت بحرا وشاطئا، وبجوار قدمي الرجل رسمت قاربا بلون بني داكن. تأملت أشجار الجزيرة لحظة، قبل أن تسبغ عليها لمسات جعلتها تلوح حافلة بالأسرار. نثرت ضوءا مرتعشا بين أغصان الأشجار، موحية بانبعاث الضوء من قلب الجزيرة. شربت جرعات ماء متتابعة، إلا أنها أحست أن عطشها لا يروى. وفيما هي منغمرة في تخيل الحياة المحتمل أن تنغل بها الجزيرة، رأت عين الرجل غير المكتملة تومض بالبريق، كأنما انبث فيها الضوء المرتعش بين أغصان الأشجار، وأذهلها التفات شِبْهِ الرجل نحوها وقد أضاءت وجهه ابتسامة ودود، ومد يده صوبها.. ترددت قليلا لا تصدق ما يحدث، ثم ناولته يدها، فأحست بدفء قبضته. سحبها نحوه، فوجدت نفسها ترفع قدمها اليمنى لتحطها على رمل اللوحة وتُتبعها اليسرى. سارت خلف الرجل وهو يدنو من القارب دون أن يفلت يدها، استقل القارب الذي أخذ يهتز اهتزازا هينا، ثم ساعدها على الانضمام إليه.. طفق يجذّف باتجاه الجزيرة، ومقدمة القارب تشق دربا خلال مياه البحر، بينما اقتعدت لبنى مكانا وراءه، وعيناها على ارتعاشات الضوء بين الأغصان.
قد يعجبك ايضا

اترك رد