“كوب ماء”.

قصة بقلم الكاتب علي درويش

Ali Derouich

رفع صوته قليلا لتسمعه وهو يمازحها كعادته:
-“أتسمعينه؟ لا زال مستيقظا يناديك: ماما ماما؟”.
سكت قليلا، ثم أردف:
_”بعد غسل الصحون، ناوليني كوب ماء، من فضلك أشعر بعطش غريب..”.
– “يارجل!! هداك الله! قدِّر تعبي، هدَّني التعليم والوقوف لساعات طوال في القسم واسكات شغب الأطفال الصغار..!”.
استأنفتْ غسلَ الأواني وصِّفها بشيء من العنف جانبا ، ثم أردفتْ:
_”نعم! سمعتُ نغمتَه الليلية (ماما! ماما!)؛ أنت من أفسدت طبعه، الحادية عشر ليلا هاته، ولم ينم بعد.!”.
هدأ قليلا ثم عقّب بصوت خافت:
-“لمجرد كوبِ ماء لابد أن تُسمعينا محاضرتك الليلية..!”.
– “متأكدة، من أنك بعد الكوب، ستطلب فنجانَ قهوتك الليلية المعتادة، طلباتكما أنت وابنك لا تنتهي. لازال عليَّ أن أتأكد من جمع الوثائق اللازمة بمحفظتي قبل أن أهدهده لعله يخلد الى النوم. …! …يا ناس، اشفقوا لحالي، لم أعد أطيق .. تعبت، متى أرتاح كبقية البشر؟؟”.
– “ومن أخبرك بأن بقية البشر مرتاحون؟؟ لاراحة في الحياة وفوق الأرض، إنما يرتاح من سكن القبور في بطن الأرض!”.
– “يا لطيف!… يا له من فأل مخيف! أمْ تُراكَ تستعجل أن تواريَني الترابَ؟ لتختار لك أخرى يا ماكر؟؟…آه منكم ومن غدركم أيها الرجال!!”.
قالتها وهي تناوله الكوب:
-“خذ! اشرب! “.
رفع رأسه، أمسك يدها والكوبَ معا بلطف، أطال النظر في وجهها كأنما يراها لأول مرة، نظراتُه كأنها أبيات من غزل،ثم أضاف مبتسما:
– “وهل في الدنيا بديل عنك! ياااا ………….”
فجأة، وعلى حين غرة، لم يُمهله القدر ليكمل الجملة، صوت مدوي كالرعد، رجت الأرض رجا، كأنما هي القيامة!تساقطت الجدران فوق رقبته، رعبٌ عاجل أفقده القدرة على فهم ما يقع ! يا للهول! لم ترجئه الصدمة ليلتفت إليها، لم يعد يرى شيئا، لا يعرف ما إن كان لازال حيا، ؟ لكنه شعر بأنه يتنفس، هدأ قليلا، ترامى الى سمعه صوت صبي صغير آت من بعيد، كأنه يصعد من جوف بئر عميقة، ارتفعت أصوات أخرى، عويل، صراخ، حاول أن يحرك رأسه بلا جدوى، فقد السيطرة على رجليه، شيء ثقيل يجثم على صدره، حاول أن يصيح أن يستغيث، خارت قواهُ استسلم، أخذ يلهث من شدة التعب، ثم شعر بيد تمسكه من كتفه، أصوات رجالية متداخلة من حواليه:
-“هناك صبي! هناك صبي! لا يزال على قيد الحياة! تعالوا بسرعة… ها هنا، حركوا قطعة الطوب! ارفعوا تلك الخشبة، احذروا، احذروا!! فزجاج الخزانة منغرز في جسده وهو ينزف…!”.
حاول أن يفتح عينه، لم يعد قادرا، غالَب رأسَه بمشقة لعله يرفعه قليلا، بلا جدوى ثم تركه يسقط كحجر هوى من أعلى، ليغيب في إغماءة طويلة ………..
يدٌ ناعمة تلامس خده، فتح عينيه ببطئ، قاوم الإضاءة، بدا له أنه لم ير النور منذ عهد بعيد، أهي الملائكة؟ أم تراه يحلم؟..
– “حمدا لله على سلامتك!”. قالتها وعيناها الباسمتان تتأملان وجهه.
هز رأسه، حرك شفتيه، ليقول شيئا..قبل أن تلامس جبينه بكفها :
-“لا تقل الآن، ستحكي لنا عن كل شيء لاحقا، وقريبا إن شاء الله، معك طبيبتك المعالجة! وهذه مساعدتي، حمدا لله على سلامتك”.
قالتها ثم انصرفت تسرع الخطى إلى سرير آخر، أدار رأسه: أسرةٌ وجرحى في كل مكان، حركة دائبة، هناك في الطرف الآخر بكاءُ أطفال، أصغى جيدا، كأنما ليتبين من بينها صوتا يبحث عنه…
حاول أن يميز بين تلك الأطياف الصغيرة المعزولة هاهناك.
نظر مطولا، لكنْ دمعات ثقال ملأت جفنه، حجبت عنه الرؤية، ثم انسدلت متراخية ساخنة على خده:
“ابني، حبيبي، أين هو؟ من فضلكم ؛ أخبروني!”.. مد يده ليحرك السرير نحو الأسفل..
-“لا…!.. لا…. رجاء، إنك تخالف تعليمات الطبيبة”.
نبهته ممرضة، كانت تمر حاملة كومة من الأدوية والأغطية..
حركة وهرج ومرج شكلت ألحانا تراجيدية كأنما ترددها آلات جوق يلفه النشاز، تَعِبَ، أرخى رأسه، استسلم لنوم لا يقاوم..
ثم وجد نفسه يسير في نفق طويل مظلم، يطل من أقصى طرفه قبسُُ كالشعاع يقترب من بعيد، تشكلت حوله هالة من نور حاول أن يبصر ما بداخلها، تراءى له طيفها، إنها هي؛ تلبس البياض، جميلة فاتنة، تقترب منه باسمة تحمل بيدها كوب ماء يتلألأ ما بداخله كالجوهر وتمسك بالدراع الأخرى صبيا جميلا كالبدر، دنت منه، نظرت اليه مبتسمة، ناولته الكوب، وحملت الصبي برفق ثم وضعته على صدره وهي تدفعه بضغط خفيف، كمن يترك وصية نفيسة.
نظرت اليه؛ ثم نظرت.. ثم ابتسمت، فدمعت عيناها.
ظل فاغرا فاه، حاول أن يمسكها، أن يقترب منها أن يضمها،، لكنها تراجعت خطوات الى الوراء ثم اختفت في عمق النفق وأنطفأ النور عَقِبَها تدريجيا…..
أما هو فظل يضم الصبي، حاول أن ينادي أن يصرخ أن يستكمل الجملة :…. يااااااا ..
إلا أنه استفاق، على صوت هادئ يناديه:
-“سيدي ! على سلامتك ، لك مني مفاجأة جميلة!”.
فتح عينيه ليرى، حرك رأسه نحو الباب، وراء الباب تقف امرأتان قد حجب الضماد معالمهما؟ تساءل:
“أتكون احداهما ….” تساؤلٌ قاطعه دخول ممرضة تحمل ابنه وضعته على صدره برفق، ارتفع نبضه، ضمه صار يلتهم الصبي بالقبل :
– “حبيبي ابني!!”.
نظر الصبي إليه مطولا، تأمل وجهه، ثم نطق بصوت أبح :
-“ماما!! ماما!” ؛
مشهد قاطعته الممرضة وهي تضع ورقتين فوق السرير:
-” أنتما على موعد مع مغادرة المصحة، ستخرجان قريبا”!
ظل يتأمل الوجه الغض البريئ وقد علته أثار الجروح، قبل أن يهمس:
– !”سنخرج حبيبي! سنخرج يا زادي! … سنخرج يا إرثي من الحياة!”.
سكت قليلا كمن تذكر شيئا ضمه بقوة إلى صدره، وهو يتابع شارد الذهن ممرضة تناول المريض بالسرير المجاور كوب ماء …
التفت الى الصبي وهو يغالب الدمع :
-“سنخرج يا كبدي؟؟… سنخرج.. لكن إلى أين!”.

Comments (0)
Add Comment