” زمان الوصل “في لقائها الثاني  تحاور الكاتب والمبدع والناقد محمد بوعابد –الجزء الأول : من إعداد محمد نور الدين بن خديجة

0 268

 

زمان الوصل ** بيت ضيافة ملحه الأريحية والعفوية والمحبة الصادقة .. بيت يصل الرحم الإبداعي الخلاق ..دون شقاق ورياء أو نفاق .. بيت من خلاله نتشارك ملح الذكريات الاستثنائية .. ونتبادل كؤوس العشق الحراقة بالبوح وكشف الأوراق دون لف أو دوران.. بيت للابسي دربالة الابداع مبدأ ومنتهى ..لايرغبون إلا في الكفاف والعفاف والغنى عن المدعين والمتسلقين والمتذلقين والمتربصين والمتمنطقين بماهو بعيد عن منطق الابداع فكيف وأنى لهم ولهن ولو ريشة من ريشات منطق الطير .
** زمان الوصل ** نريدها وصلا لما ينقطع بسبب الإهمال أو التناسي المر أو عدم الاعتراف بل وحتى التغييب القسري عن سابق إصرار وترصد .
** زمان الوصل ** هي زوادة بسيطة لطول الطريق ..وعكاز فيه من المآرب ما يتغلب على المشاق وما يواجه به من المصاعب ..بل ومصباح من مصابيح ديوجين النهارية حين نتعامى ونغالط ونشوش على نقطة ضوء باهرة في الأفق بل وحتى بيننا نهار مساء .
** زمان الوصل ** هو حوار حر شرط المتعاقدين حوله ومعه الصدق والمحبة والاختلاف والابداع نسبا ومحتدا .
** زمان الوصل ** تحاول قدر الامكان .. وقدر التجاوب أن تفتح صالونها للزوار الرائقين الصادقين ..الذين صادقوا ما وعدوا وماعاهدوا عليه .. ذاك شرطنا فقط .. ذاك ديدننا دوما وبه عرفنا وانطلقنا ونبقى .. فمرحبا بكم بكن …
——————————————————————————————————————–

–1 : يقول شاعر الملحون رحمه الله محمد بن عمر الملحوني :

 “باحت الفكرة بالكتمان ………. ترجمان القلب اللسان

كينبه من هو غفلان ……….. ويرشد من كان اتلوف “..

— أترى ترجم – السي محمد بوعابد من خلال هذا المسار الذي عبره بطول نفس وزهد المتصوف – عما يكتمه أم أن في اللسان لازال شيء من حتى ينبغي البوح به ؟

* ما دام الكائن حيا يرزق، يعمل ويأمل، فسيبقى دائما الكثير من حتى الذي لا تستساغ الحياة بدونه، وسيبقى دائما الحلم بتحقيق ما هو أبهى وأجمل حاضرا بقوة في الخاطر والوجدان، لأنه على حد ما سبق للشاعر ألأممي ناظم حكمت أن عبر عنه ذات شعر: ستظل أجمل القصائد هي تلك التي نحلم بكتابتها، وستظل أجمل وأروع الأيام هي تلك التي نروم أن نعيشها في ما يستقبل من الأيام. ربما كان بإمكان جدي محمد بن عمر الملحوني أن يستخرج ما يجول في فكره والوجدان، عبر تبنيه لفنون الشعر المغربي العربي الملحون، وأن ينخرط في التعبير عن قضاياه وقضايا أمته وزمنه بواسطة هذا الإبداع الشعري المغربي الصميم، فتتحدد بالتالي وظيفة الشعر عنده في البوح والترجمة بغاية التنبيه والإرشاد لمن كانوا يعايشونه، بينما أجد نفسي أطرق العديد من الأبواب، عساي ألفي كوة ضوء، تنير لي العتمات التي تكتنف أبعاض المسافة من الطريق التي أسير فيها، وتكشف لي أجزاء من الأفق الذي أتوجه نحوه….

— 2: أثرت السؤال السابق لمعرفتي بشخصك الفرد المتعدد ..كأن ما تكنه أكثر مما تسعفك به العبارة ..فأنت من أسرة ورثت الملحون قولا وسلوكا ومعنى.. وأنت المترجم المتمكن عن لغات الآخر ..وأنت الناقد الباحث ..بل والشاعر المهووس باللفظ الفصيح .أين تجد نفسك أكثر ؟ألا يعيقك هذا التعدد عن تحديد بوصلة اجتهادك في مجال خاص تراكم له وتقعد له ؟

* لا أمتلك أيها الصديق العزيز إجابات قد تشفي الغليل على تساؤلك هذا… لذلك دعني أنطلق على سجيتي في محاولة للتفكير بصوت مرتفع… قد يكون بمكنتي القول إنني لا أؤمن بالتخصص في مجال من مجالات الفكر والإبداع الأدبي. وقد يكون بمستطاعي الاتكاء على أن الإنسان بصفة عامة، والمراكشي بصفة أخص، هو التعدد يسير في الطرقات ويعيش وفق شروط له يد في صنعها وله حظ في تطويرها، لذلك فالتجاوب مع اللحظة، وهي دائمة التبدل والتغير والتداول، ما ينفك يتغير ويغير بالتالي القائم به. ربما أستطيع العودة بذاكرتي إلى أيام الطفولة لأجد كيف كانت ألعابنا تتغير بتغير الفصول، ففي فصل الشتاء كنا نختبئ في (الصابة = الساباط) لنمارس لعبا يستدعي منا التجمع مع بعضنا والاستدفاء الجماعي، بينما في فصل الصيف كنت ترانا نمارس لعبا تبرز فيه قدراتنا الفردية مؤثرين الانفصال عن بعضنا البعض الآخر… وهكذا هو الأمر بالنسبة لي مع ما مارسته وأمارسه من أعمال أدبية، سواء حين أكتب نصوصا تسعى لأن تتدفق مياه الشعر في شرايينها والأوردة، أو حين أعمل على إنتاج كتابة نقدية أقارب فيها عملا إبداعيا لغيري، كما حين قيامي ببحوث في الشعر المغربي العربي الملحون… فأنا، أعوذ بالله من قول أنا، لا أقدم على ترجمة نص شعري أو نثري لم أنفعل به وما تفاعلت معه، ولم أجد أنه كان بالإمكان أن تتوفر فيه أبعاض من الروح/الفكر/الوجدان التي تعتمل في دواخلي كما في دواخل مجتمعي وثقافتي العربية المغربية. ولربما يعود تعدد اهتماماتي إلى ارتباطي القديم بالعمل الجمعوي في شقه الثقافي والمسرحي بالأساس. فكما هو معلوم نشطت الحركة المسرحية في مراكش والمغرب خلال العقود 60/70/80، وتعددت التوجهات المسرحية في التجارب الهاوية التي استطاعت تحقيق فتوحات رصينة ومسئولة، بحيث لم يكن من الممكن ممارسة المسرح أو الارتباط بتجربة من تجارب الهواة فيه دونما تبني قضايا الإنسان في ذلك الزمن ومن غير الالتزام بالدفاع عن قيم الخير والحق والجمال… لذلك لربما أجد نفسي في كل هذه المجالات المتنوعة التي اشتمل ويشتمل عليها أب الفنون (المسرح)، ولربما إيماني بهذه القيم (الخير والحق والجمال) مع محاولتي الالتزام بها في معيشي وفي ما أحبره أو أرقنه هو ما يدفعني إلى أن أعيش بحب ومتعة هذا التعدد والتنوع الذي يكاد في عين غيري أن يكون تشتتا يعوق عن التراكم في مجال واحد وأوحد والتنظير للتجربة فيه … ولو تيسر لي أن أحتحت اهتماماتي الأدبية التي أشرت إليها لما تمخضت سوى عن: محاولات في كتابة نصوص تسعى لأن تكون شعرا أو تروم لأن تتجلى كتابة مسرحية، وسعي لمقاربة نصوص أبدعها غيري وتفاعلت معها مضمونا وشكلا، ثم ترجمات لنصوص إبداعية ألفها مبدعون ممن تتوافق ذائقتي مع ذائقتهم أو وجدت لديهم ما أحس أن لنا حاجة ماسة إليه. إذن، قد لا تكون اهتماماتي متعددة كما يبدو من سؤالك أيها الصديق العزيز.

–3 : يقول كذلك محمد بن عمر الملحوني :

” لا تفرط ف البالي  ………. ولا تفرح أ قلبي باللي جديد قالوا هل لعقل

  غار ف الثلث الخالي ……..خير من قصر مشيد دون ساس معدوم الأصل

  ما يليه استصالي     ………غامض العين على أرض الفلاح فيها ما ينزل…”

– لو أن الجد سي بن عمر الملحوني ما يزال حيا ..ماذا كان سيقول وأنت الذي تاخمت الجديد والحديث وترجمت له وفتحت له الباب.. وحاولت تأصيله بلغة الضاد..

* بحسب معرفتي بجدي سي محمد بن عمر الملحوني، وقد عشت في كنفه طفولتي، ورافقته في مراكش لسنوات طوال، فهو الذي عرفني على دروبها ومزارات أوليائها، وأخذ بيدي لأكتشف ساحتها وأتعرف على أكشاك الكتب فيها، كما أنه هو من سافر بي إلى فضاءات مغربية أصيلة وأثيلة (سلا، فاس، مكناس، زرهون…) حين نجحت في القسم الثالث، إذ أضحيت أستطيع القراءة باللغتين العربية والفرنسية، علاوة على تعرفي على نمط تفكيره السلفي الحديث من خلال العديد من نصوصه الشعرية… فلا أعتقده كان سيكون إلا مثمنا لمجهوداتي رغم ضآلتها، ولن يكون سوى مشجع لما بذلته وأبذله في ما أحبره من نصوص شعرية ونثرية وترجمات… فمما ذكرني به، ذات جلسة عائلية، خالي الأستاذ عبد الرحمان الملحوني، أن جدي رحمه الله كان ذات يوم جالسا يكتب فإذا به يسمعني أحاول حفظ أبيات المتنبي التي يقول منها:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله=== وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

فتوقف عن ما كان يقوم به، وبعدما أنصت متمعنا توجه بالكلام لابنه قائلا ما مفاده أن ثمة تصاديا بين هذه الأبيات وما سبق له أن كتبه خلال زمن الاستعمار الفرنسي حاثا مواطنيه على أن يقبلوا على التعلم محوا للأمية واستعمالا للعقل، وهي أبيات شعرية يقول فيها:

من لا لو عقل دليل===يبقى فالوقت ذليل===عمرو لا صاب دليلو

من عقلو فيه الميل===وسها عن يوم يميل===لابد من تمييلو

من عقلو صار عديل===عن منهاج التعديل===لا بد من تعديلو

وبالتأمل في ما اشتملت عليه الأبيات التي ذكرتها لجدي ــ  يا صديقي العزيز ــ سنجد أنه لم يكن من دعاة تمجيد الماضي لماضويته، ولا هو كان من الزاعقين بكنس الماضي أو رفض كل ما هو حديث. بل تأمل معي قوله: (غار فالثلث الخالي/خير من قصر مشيد دون ساس معدوم الأصل) لنتبين معا كيف أن ما يهم جدي محمد بن عمر هو أن يكون ما نقبل عليه أمرا متأصلا، له أساس يقف عليه ويتمدد من خلاله وجوده في الزمان. وكأني به هو من أوحى لي ذات مرة حين تحدثت عن احتياجنا لأصالة حديثة وحداثة أصيلة. ومن هنا أرى أن جدي سي بن عمر ــ رحمه الله برحمته الواسعة ــ كان سيقف في صفي وسيدعم الجهود التي أبذلها مهما كانت ضئيلة، علاوة على إيمانه بحريتي ومسؤوليتي في اختياراتي، لأن ذلك ما رباني عليه. تخيل يا صاحبي أنه ما استعمل معي العصا ولا لمرة واحدة، وأنه كان يخاطبني أنا الطفل خطابه لرجل مسؤول، مع احترام وتقدير لقدراتي.

–4 : من أواخر الستينيات إلى الآن.. بدأت بوادر التفات إلى مكنون هويتنا الشعبية.. فترجم هذا الالتفات عبر أغاني المجموعات.. بل وظهور زجالين ذوي نفحة حداثية بدءا بعبد الله الودان وأحمد

لمسيح ورضوان أفندي وصولا إلى الموجة الزجلية الكبيرة أواخر التسعينات . فالزجل الآن ومبدعوه يمثلون ظاهرة إبداعية لافتة للأنظار. بماذا تفسر هذا الاكتساح الزجلي ؟ وكيف تقيمه ؟ .

* تيسر لي أن أكون ممن عايشوا ظاهرة المجموعات منذ تبرعمها في الأعمال المسرحية الهاوية بمراكش، ثم من خلال ظهورها الإعلامي الذي انصبت أضواؤه على المجموعات التي كان لها أن تكون قريبة من أستديوهات التسجيل في الدار البيضاء ومن أستديوهات التلفزة المغربية في كل من عين الشق والرباط، بل كان من رفاقي في العمل الجمعوي من هم رواد للظاهرة تمكنوا بانتقالهم إلى البيضاء من أن تبرز بصمتهم ويحفروا لأنفسهم مكانا متميزا في المشهد الفني والإعلامي. ثم تيسر لي في تسعينيات القرن الماضي أن أكون إلى جانب من أسسوا ملتقى الزجل في مدينة ميسور، وهو الملتقى الذي كانت تنظمه جمعية الشعلة، وخلال مواكبتي ومساهمتي في الدورات الأولى لهذا الملتقى الزجلي حاولت التنبيه إلى ضرورة الالتفات إلى الموروث الشعري الزجلي الراقي للاستفادة منه لا لاستعادته وتكرار تجاربه، بل لمعرفة شجرة الأنساب الشعرية الزجلة الخاصة بكل واحدة من التجارب التي يخوضها الزجالون المغاربة منذئذ، وذلك لأن من لا ذاكرة له لا حاضر ولا مستقبل له. وكنت غالبا ما أركز في مداخلاتي وحواراتي مع المساهمين في هذه الملتقيات وغيرها على ضرورة التفكير ومقاربة جملة من القضايا ذات الطبيعة الإشكالية، أذكر من بينها سؤال التعامل مع اللغة المسماة دارجة، وإشكالية المعاجم التي يتم توظيفها من قبل الزجالين وكيف تتنوع هذه المعاجم بين من يستمدها من المعيش القروي الفلاحي، ومن يحاول تشغيل الألفاظ والعبارات ذات الحمولات الصوفية أو شبهها، ثم هناك من يتكئ فيها على كل ما هو متواتر في الحياة العادية… علاوة على سؤال البحث في موسيقى وإيقاعات النص الشعري الزجلي… وهكذا، فأثناء الاشتغال رفقة الأصدقاء من أمثال المرحومين المهدي الودغيري و محمد الراشق… ومن أمثال الزجالين مع الزجالات الذين شاركوا في تلك الدورات التي حضرتها كإدريس بلعطار ونعيمة الحمداوي وحفيظ اللمتوني ونهاد بنعكيدة وعزيز غالي وغيرهم… كنت أركز على شيئين يبدوان لي رئيسين، مع الإقرار بشرعية وضرورة وجود الشعر المتوسل باللسان الدارج في ثقافتنا. يتجلى أولهما في أن الشعر في التاريخ الأدبي للمغرب يجد تجسده الأسمى في ما تواضع على الاحتفاء به مغاربة العواصم والحواضر التقليدية ــ منذ القرن السادس عشر الميلادي ــ باسم الشعر الملحون، وهو شعر سليل التجربة الشعرية العربية في مشرق ومغرب العالم العربي، إذ هو استمرار لما استفاده شعراء الغرب الإسلامي مما وفد عليهم من المشرق، وهو كذلك ــ وفي الوقت نفسه ــ تطور/تطوير عرفه الإبداع الشعري في بلاد الأندلس والمغرب الكبير تجلى في أشكال هي: التوشيح، فالزجل، فعروض البلد، فالملحون. وثانيهما يتمثل في أن إبداع أشعار زجلة حديثة يستدعي المعرفة العلمية لما سلف للأجداد من الشعراء أن أبدعوه كأشكال فنية نذكر منها (حبات العيطة/ قطع الرسمات/ السلامات/العروبيات/ السرابات/ قصدان الملحون) مع الانفتاح على ما يتم إبداعه من طرف الشعراء المحدثين عربا وأجانب… لأن الغرض الأسمى في اعتقادي من إبداع النصوص الشعرية الزجلة هو إقدار المتلقين من السمو بلغتهم الدارجة وفكرهم ووجدانهم إلى مستويات أرقى مما كانوا يعرفونه ويعيشونه، أي جعلهم يكتشفون بمعية الشاعر الزجال ما يشتمل عليه واقعهم من جمال وإقدارهم على تذوقه والتفاعل معه وصنعه في محيطهم.  وهكذا فمصداقا لما عبر عنه جيل دولوز حين قال ما مفاده: إن المبدع لا يعمل من أجل تحقيق المتعة فحسب، بل إنه يعمل بغاية أن ينتج ما ثمة حاجة ماسة إليه، أقول: إن أهم مبررات هذا الطوفان من الأعمال الزجلة، والتي تقدم نفسها باعتبارها كذلك، وكذلك الأعمال التي تتوسل اللغة العربية المغربية (الدارجة) في المسرح والأغنية، منذ عقود التأسيس للآداب والفنون المغربية الحديثة ، هو إحساس الإنسان المغربي الحديث والمعاصر بضرورة التوفر على ما يعبر به عن عواطفه ومشاعره، وما يصوغ من خلاله رؤاه ومواقفه من الحياة والوجود… ولنلاحظ كيف أن في تواز مع هذا الحضور القوي للشعر الزجل ثمة مد قوي كذلك للشعر المتوسل باللسان الأمازيغي في واحدة من تجلياته… وهو في اعتقادي ما يؤكد حاجة الإنسان المغربي لأن يجد ما يقدم به تصوراته ومشاعره. تبقى مسألة تقييم هذا الإنتاج الزجلي كتقييم أي إنتاج أدبي وفني، سواء أكان من إنتاج المغاربة أم من إنتاج غيرهم، وهذه تستدعي توفر حركة نقدية ذات أسس نظرية مستخلصة مما تفور به الحركة الإنتاجية الأدبية والفنية نفسها، وهو الأمر الذي أراه ما يزال في طور البحث والتشكل. لكن، رغما عن ذلك، ومن موقع المتتبع، أستطيع القول إن أغلب ما ينشر من أزجال ما تزال في حاجة لأن يتدارك أصحابها أنفسهم فيتعلموا ويتثقفوا في مجال عملهم ذاك كي يتقنوا إنتاج إبداع زجلي في مستوى ما بلغته تجارب البعض من أسلافهم والقلائل من معاصريهم.

–5 : أ لا ترى بأن الملحون استوفى كل شروط بناء عمارته وأي إضافة ستكون تشويها لهذه العمارة الباذخة ؟ .. خاصة وأن قاعدة تلقيه تراجعت بشكل مهول اقتصاديا واجتماعيا ( أقصد الحرفيين والصناع ) وأقصى ما يمكن فعله هو إدخاله في روائع الإبداع الكلاسيكي.

* علمت أخيرا عبر وسائط الاتصال الحديثة أن شابا من مدينة بني ملال استطاع أن يلم بالإبداع الشعري الملحون إلماما قويا، وتمكن من استيعاب لغة الملحون وقواعده التركيبية البلاغية ومن إدراك ما يتحكم في آلياته العروضية الموسيقية. وإن هذا الإلمام مع الاستيعاب والإدراك هو ما مكنه بالتالي من أن يضيف ــ بحسب ما يقوله عنه من كتبوا عن تجربته في الفايسبوك ــ إضافات جليلة على مستوى التعامل العروضي (بحور ومرمات). ويبدو أن هذا الشاب قد اتخذ من أحد الشيوخ المنشدين والحفاظ والخزان مرجعا وملاذا استند عليه في تأصيل ما يقوم به من إنجازات. ولأنني شخصيا لم أطلع على نماذج من إنجازات هذا الشاعر الشاب فلا يسعني سوى أن أثمن كل مجهود يقوم به أي من الشعراء المغاربة الشباب ومن الشيوخ المعاصرين، دونما نسيان للتقويم والتقييم لكل جهد مبذول. وبعيدا عن ما قيل عن تجربة هذا الشاعر الملالي الشاب، أود التأشير على وجود عدد محدد من الشعراء الزجالين الذين يكتبون الشعر العربي المغربي الملحون في الوقت الحاضر، ممن سعدت بالاطلاع على تجاربهم، ومن بينهم من حاولت دراسة بعض أعمالهم، وقد تبين لي أن من الممكن الحديث عن تجارب يسير فيها أصحابها على نهج الأسلاف موضوعات ولغة وتراكيب وبلاغة وعروضا، وهناك تجارب عمل أصحابها على التجديد في اللغة والتراكيب النحوية والبلاغية، وصنف ثالث حاول التجديد في المستويات اللغوية والبلاغية والموضوعاتية، ولكن الأعم مما اطلعت عليه من التجارب ظل يراوح نفس البحور مع القياسات والمرمات الشعرية التي وصلتنا عن الشيوخ الكبار المنتمين لما سمي (صابة الملحون) من أمثال الشيوخ: سيد الجيلالي امثيرد، والسي التهامي المدغري، وسيدي عبد القادر العلمي… وكنت قد أثرت هذه الملاحظة في مقدمة المجموعة الشعرية: “قال يانا سيدي” التي أصدرها الشاعر أحمد بدناوي، حين سجلت أن هذا الشاعر المنشد: (… قد عمل على تجديد وتحديث الغناء والإنشاد الملحوني من حيث إنه قد أدخل مقامات موسيقية لم يكن السابقون يتجرؤون على الإنشاد وفقها وهي (مقام الصبا ومقام النكريز)، وإن كان على المستوى العروضي قد ظل محافظا على ما انتهجه القدماء وما ابتدعه الأسلاف من قياسات ومرام…) [أنظر: ص13 من ط1]. انطلاقا من هذه الملاحظات لا يمكن لي الاتفاق مع ما طرحته صديقي، فاعتمادا على ما سلف يتضح أن ثمة حاجة ما تزال قائمة إلى هذا المتن الشعري العربي الملحون، سواء كإرث كلاسيكي، أو كإبداع وإنتاج شعري حديث يستجيب لما تتطلبه الأذن والوجدان المغربيان في مختلف المدن والحواضر المغربية التي عرف فيها هذا النمط من القول الشعري، ويكفي في اعتقادي أن ننتبه لما أقدم عليه عدد من شعراء هذا الفن المعاصرين حين لم يكتفوا بإنشاد قصائدهم بل عملوا على الانتقال بها إلى مستوى الإصدار في شكل كتب، أذكر من بينها، إضافة إلى ديوان أحمد بدناوي، ديوان الحاج عمر بوري، ديوان محمد الحضري، ديوان إدريس رحمون، وغيرهم… علاوة على وجود شعراء زجالين استندوا في تجربتهم الإبداعية قديما وحديثا على الاستمداد من الشعر العربي الملحون أذكر من بينهم: الزجال الكبير ورجل الإبداع المسرحي المرحوم أحمد الطيب العلج، وكذلك المبدع الزجال أمحمد الزروالي… ناهيك عن أن أكاديمية المملكة قد عملت منذ 2008 على إخراج دواوين الشعراء الشيوخ ضمن ((سلسلة التراث)) وأسمتها “موسوعة الملحون”، ويبدو أن الديوان الصادر أخيرا هو لأكبر شعراء هذا الفن المعاصرين، أعني الأستاذ الباحث/الدارس والشاعر الشيخ أحمد سهوم الذي كتب ذات قصيدة، متحدثا عن الشعر بصفة عامة:

أو الشعر اللي كرموه عشاقو في هاذ الربيع دفقة من فيض غزير

بالشعور أو باش أما اشعر يتدفق في حروف تجمع عبارة

أو حديث النفس كلما حسات ب إحساس خرق عادة يخرج تفسير

لكل ما جد من أمر أو ف تفسيرو الكشف عن ما يتوارى

أو كلام القلب تيقولو للناس بلا الفاظ معروف القلب اخبير

ويلا يخبر صادق الخبر منو يستلهمو عقول الخبارى

تيهدم ويعاود يبني ويشطب ويعاود يمحي مبلي بالتغيير

كما كان ف قادم العصر باقي للآن فيه الادهان حيارى

أو جاو اللي عرفوه بأنو قبض ريح هكذا قالوا فالتنظير

قبض ريح أو ساعة يظهر يشعل في كل درب للناس منار

وفي حسباني وظني، أنه مادام هناك جمع من الناس يهتمون بهذا اللون من القول الشعري المسمى الشعر المغربي العربي الملحون، فهو ما توقف عن الحياة وما يني يتطور وفقا لدرجة وسرعة تطور أهله أولئك، لأنه ما يزال منتظرا منه أن يواكب حياة أولائك الناس، فيكون معبرا عن مشاعرهم ومصورا لحياتهم ومفصحا عن رؤاهم ومواقفهم، ويكون بالتالي مبرزا لمدى تطور حساسيتهم وذوقهم.

–6 : هل يمكن لشاعر اليوم وهو مبتور من قاعدة الملحون المعهودة أن يبدع من داخل هذا التراث دون أن يكون نسخة مكررة لن تضيف شيئا .. خاصة مع تعقد التناقضات الاجتماعية والاقتصادية وكذا الهجوم المعولم لأنماط ثقافية مغايرة ..أي بتوضيح أكثر .. تعقدت الموضوعات أكثر  مما باشره شعراء الملحون في مجتمع متوازن نسبيا نفسيا وثقافيا وروحيا.

* قد يكون في ما سلف إجابة ما على سؤالك هذا. ولربما يتأكد من جديد كم نحن في حاجة إلى إعادة التعرف على ما يختزنه واقعنا من طاقات ومن قدرات مادية ولامادية، وعلى ما يتوفر عليه أهلونا ومن يعيشون معنا في هذا الفضاء الحضاري المسمى المغرب من إمكانات على الإنتاج والإبداع في مختلف المجالات الموروثة والمستفادة عبر الانفتاح على الآخر غربيا كان أم شرقيا. الشاعر المبتور الصلة بقاعدة الملحون المعهودة لا قدرة له على أن يبدع من داخل هذا التراث، ولن يكون بإمكانه أن يصدر أيما نسخة مكررة ولا أصيلة… لأن مسألة الإضافة النوعية لا يمكن أن تتحقق سوى على يد من تشرب واستقى من الأصل حتى غدا متأصلا وامتدت جذوره في تربة المجال الذي يروم تحقيق الإضافة ضمنه، فقد قال الشيخ الجيلالي امثيرد في قصيدة”الساقي وكض لريام”: (والاشياخ بالاصناف ادراج/بعض عن بعض ومول الملك كيف راد اسقاها). وكذلك قال في قصيدة”زنوبة”: ( فزت بسقوى بمحبتي احلى شهد امصالي/وضحت اسجال من اصياري موهوبة)… و(السقوى) التي يتحدث عنها هذا الشاعر هي القدرة على الإلمام والاستيعاب مع الإدراك لمميزات وخصائص الفن المراد تعاطيه والإنتاج المبدع ضمن قواعده. لهذا وجدت بدرجات متفاوتة في الشعراء الشيوخ: أحمد سهوم وأحمد بدناوي ومحمد النميلة،،، النماذج التي تحقق على أياديها بعض التجديد الموضوعاتي واللغوي والتركيبي البلاغي لقصيدة الملحون المعاصرة والحديثة.

 –7 : هل ترى من خلال ما راكمته القصيدة ” العامية ” لو صح التعبير .أنها أصبحت في مستوى تجاوز أو إضافة نوعية لشعر الملحون مضمونا وشكلا ؟

* أجد أولا في توصيف (القصيدة “العامية”) الكثير من التجني على أهم تجل من تجليات الشعر في الثقافة المغربية العربية، إذ أربأ بالشعر والأدب أن يتم وسم أحدهما بهذه السمة “العامية”. لأن هذا النعت، ونعت “الشعبية” كذلك، يبدوان لي مما يتم تحميله الدلالة القدحية، ومما يتم الحكم عليه بالنقصان والسخف والانحطاط الفكري والفني. ونعت الشعر وباقي الفنون الأخرى بواحد منهما هو وسم بالدونية لتلك الفنون ولمن يتعاطونها ممارسة وتلقيا. لهذا أفضل الحديث عن الشعر الزجل، أو الشعر الملحون، لأن في البدء وفي المنتهى ما نروم الحديث عنه أو ممارسته إنتاجا وإبداعا هو شعر قبل أي شيء آخر، قد يكون بلغة غير معربة وغير مشهورة القواعد، ولكنها لغة مدركة ومتذوقة جمالياتها من قبل من يتعاملون بها في أوساطهم… والمغرب كما هو معلوم يتوفر على شعراء معاصرين يكتبون بالعديد من اللغات المحلية: العربية الدارجة التي أؤثر تسميتها العربية المغربية، واللهجات الأمازيغية (الريفية، وتمازيغت، والسوسية)، واللهجة الحسانية في الصحراء، علاوة على اللغات المقعدة كالعربية الموسومة بالفصاحة، وكالفرنسية والإسبانية وغيرهما من اللغات التي تعرف عليها أبناء وبنات هذا الوطن في الداخل كما في المهجر… ولربما في ما تقدم بعض الجواب على سؤالك هذا، ما دامت الإشارة قد تمت إلى أن حركة الزجل المغربية المعاصرة قد عرفت وتعرف حضورا كثيفا لمجموعة من التجارب، منها القليل السامي الذي بلغ بعض درى الإبداع الفكري والجمالي، ومنها الكثير الواطي الذي ما يزال في أمس الحاجة إلى التقويم عبر التثقيف والانفتاح على مختلف المعارف وتقنيات الكتابة الإبداعية الشعرية. والمشكلة العويصة مع هذا الكثير الواطي من الزجل هو أنه يبرز صدقية القول بأن وسائط التواصل الحديثة أفسحت المجال لمن يمتلكون (السنطيحة وقسوحية الوجه) بالتربع على عروش الغوغائية في كل المجالات، وبالتالي أبعدت عن البروز الأعمال الجيدة التي ينبغي لها البقاء لأنها تنفع الناس، وينكشف كذلك مع هذا التقيؤ والإسهال ــ المتمثلين في ما ينشر تسويدا على صفحات الفضاء الأزرق وما يصدر مطبوعا ورقيا ــ مدى الانحطاط الذي بلغته الأذواق وكيف غدا تسييد الجهل وتأبيد الفساد الذوقي هو المهيمن. لقد أضحينا في حاجة ماسة إلى ما يشبه ما كان معروفا عند الحرفيين قديما باسم (المتحسب وأمناء الحنطات) للضرب بيد من حديد على كل متهافت وكل مدع في مجال من مجالات الفن والإبداع، مع الاعتراف بأن هذا من طبيعة الأشياء.

— 8 : تعليقك على الأسماء التالية :

أ) سيدي عبد القادر العلمي : شاعر الحكماء وحكيم الشعراء كما فهمت شعره، وكما وصفه العارفون بحياته وبأشعاره التي طالت جميع الأغراض التي تناول شعراء الملحون، وتكفي العودة لـ”الساقي”.

ب) السي التهامي المدغري: رحم الله الأستاذ عبد الله الشليح، كان يمدح الشيخ امثيرد واصفا إياه بكونه باني قصيدة الشعر الملحون، ويثني على السي التهامي المدغري بكونه مزين ذلك البناء الشعري الباذخ. فيكفي “حياح الحا” ما أبدعه من نصوص شعرية خلدت اسمه ك”فارحة” و”طالق المسروح” و”النحلة شامة” و”لالا باني”…

ج) محمد بن عمر الملحوني: ما نطقت بلفظ “أبَا” إلا وكانت صورته في الذهن والوجدان، هو جدي ووالد من أنجبتني، لذلك شهادتي فيه ستظل مجروحة، ولكني سأكتب ما قاله عنه رفيقه في تأسيس أول جمعية ترأسها جدي وقد اهتمت بالملحون وطنيا، أقصد الأستاذ عبد الله الشليح رئيس “جمعية هواة الملحون” الذي قال: ((… الكثير من أخلاق “السي بن عمر” وهي الرفيعة، من أدب جم، وتواضع ممدوح، وحسن الإنصات، وقابلية الاقتناع، وخفة روح وبداهة ونكتة. أما ما بهرني إلى الآن، فهو فراسته الغريبة واستطلاع الآفاق البعيدة وتوقع ما لم يكن في حسبان أحد.)).

* أحمد سهوم : أشعر شعراء الوقت، ولو حافظ أهل هذا الفن على تقاليدهم لكان عليهم إطلاق لقب شيخ أشياخ الوقت على سي احمد سهوم، نظرا لما قدمه لهذا الإبداع المغربي الصرف منذ ستينيات القرن الفارط وحتى هذه اللحظة من بحوث ودراسات في متون هذا الشعر، ومن تعريف بأهله والفطاحل من شعرائه المفلقين عبر العصور منذ المصمودي وعبد العزيز المغراوي وحتى بن عمر الملحوني وبلكبير. فأحمد سهوم قدم خدمة جليلة لهذا الفن ببرامجه الإذاعية وبإصداره لكتاب “الملحون المغربي”، علاوة على العديد من القصائد التي أبدعها في مختلف الموضوعات والتي سعى فيها نحو تحقيق نوع من التجديد اللغوي والتركيبي البلاغي، كما كشف من خلالها غنى وعمق ثقافته.

أحمد لمسيح : شاعر زجال ارتقى بالقصيدة الزجلة إلى مراقي الشعر العربي والإنساني الحديث منذ إصداره لأول ديوان مغربي زجلي سنة 1976 وحتى آخر ما يقدمه من نصوص.

عبد الرحمان سمتور : شاعر زجال عرفته منذ بداياته، له بصمته الخاصة، نحن في انتظار مجموعته الشعرية الزجلة لنكتشف الأمداء التي تطورت عبرها تجربته منذ (“الْبْيَتْ” و “يا بنادم”).

* ادريس بلعطار : شاعر زجال وباحث في التراث العبدي المتمثل في العيطة ويظهر في ما اطلعت عليه من أشعار سي ادريس أن ثمة همين ينجدلان في كل ما يقوم به، وهما: هم التأصيل والتحديث، ففي الوقت الذي يريد فيه تقديم عمل شعري يتفاعل مع الواقع وما يستحدث فيه من قضايا ومن اكتشافات فنية تجده منشغلا بأن يكون عمله متصلا بالأصول الشعرية المتوفرة في التراث العيطي.

واللائحة تطول… مع الاعتذار لغابة تخفي غابات .

— يتبع …

محمد نور الدين بن خديجة

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد